فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 501

وفِيهِ أَنَّ أَهل الفَضل قَد يُغضِبهُم ما يُقال فِيهِم مِمّا لَيسَ فِيهِم، ومَعَ ذَلِكَ فَيَتَلَقَّونَ ذَلِكَ بِالصَّبرِ والحِلم كَما صَنَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - اقتِداءًا بِمُوسَى عَلَيهِ السَّلام، وأَشارَ بِقَولِهِ:"قَد أُوذِيَ مُوسَى"إِلَى قَوله تَعالَى: يا أَيّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوا مُوسَى"] [1] ."

* عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمِنًى: لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ قَالَ: إِنَّ فُلاَنًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ لَبَايَعْنَا فُلاَنًا، فَقَالَ عُمَرُ: «لَأَقُومَنَّ العَشِيَّةَ، فَأُحَذِّرَ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ» ،قُلْتُ: لاَ تَفْعَلْ، فَإِنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ، يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ، فَأَخَافُ أَنْ لاَ يُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَيُطِيرُ بِهَا كُلُّ مُطِيرٍ، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ دَارَ الهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَيَحْفَظُوا مَقَالَتَكَ وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ» ،قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ آيَةُ الرَّجْمِ» [2]

قال ابن حجر في شرحه: [وفِيهِ جَواز إِخبار السُّلطان بِكَلامِ مَن يُخشَى مِنهُ وُقُوع أَمر فِيهِ إِفسادٌ لِلجَماعَةِ ولا يُعَدّ ذَلِكَ مِنَ النَّمِيمَة المَذمُومَة، لَكِنَّ مَحَلّ ذَلِكَ أَن يُبهِمهُ صَونًا لَهُ وجَمعًا لَهُ بَين المَصلَحَتَينِ، ولَعَلَّ الواقِع فِي هَذِهِ القِصَّة كانَ كَذَلِكَ واكتَفَى عُمَر بِالتَّحذِيرِ مِن ذَلِكَ ولَم يُعاقِب الَّذِي قالَ ذَلِكَ ولا مَن قِيلَ عَنهُ] [3] .

* قال الإمام النووي رحمه الله:"اعْلَمْ أنَّ الغِيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحيحٍ شَرْعِيٍّ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِهَا, وَهُوَ سِتَّةُ أسْبَابٍ:"

الأَوَّلُ: التَّظَلُّمُ, فَيَجُوزُ لِلمَظْلُومِ أنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ والقَاضِي وغَيرِهِما مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ, أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ, فيقول: ظَلَمَنِي فُلاَنٌ بكذا.

الثَّاني: الاسْتِعانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ, وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوابِ, فيقولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتهُ عَلَى إزالَةِ المُنْكَرِ: فُلانٌ يَعْمَلُ كَذا, فازْجُرْهُ عَنْهُ ونحو ذَلِكَ ويكونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلُ إِلَى إزالَةِ المُنْكَرِ, فَإنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا.

الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ, فيقُولُ لِلمُفْتِي: ظَلَمَنِي أَبي, أَوْ أخي, أَوْ زوجي, أَوْ فُلانٌ بكَذَا, فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَمَا طَريقي في الخلاصِ مِنْهُ, وتَحْصيلِ حَقِّي, وَدَفْعِ الظُّلْمِ؟ وَنَحْو ذَلِكَ, فهذا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ, ولكِنَّ الأحْوطَ

(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (10/ 512)

(2) - صحيح البخاري (9/ 103) (7323)

(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (12/ 154)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت