فهرس الكتاب
كَانَ أُمَنَاءُ الْأَسْرَارِ أَشَدَّ تَعَذُّرًا وَأَقَلَّ وُجُودًا مِنْ أُمَنَاءِ الْأَمْوَالِ. وَكَانَ حِفْظُ الْمَالِ أَيْسَرَ مِنْ كَتْمِ الْأَسْرَارِ؛ لِأَنَّ إحْرَازَ الْأَمْوَالِ مَنِيعَةٌ وَإِحْرَازَ الْأَسْرَارِ بَارِزَةٌ يُذِيعُهَا لِسَانٌ نَاطِقٌ، وَيُشِيعُهَا كَلَامٌ سَابِقٌ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:الْقُلُوبُ أَوْعِيَةُ الْأَسْرَارِ، وَالشِّفَاءُ أَقْفَالُهَا وَالْأَلْسُنُ مَفَاتِيحُهَا، فَلْيَحْفَظْ كُلُّ امْرِئٍ مِفْتَاحَ سِرِّهِ.
وَمِنْ صِفَاتِ أَمِينِ السِّرِّ أَنْ يَكُونَ ذَا عَقْلٍ صَادٍّ، وَدِينٍ حَاجِزٍ، وَنُصْحٍ مَبْذُولٍ، وَوُدٍّ مَوْفُورٍ، وَكَتُومًا بِالطَّبْعِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَمْنَعُ مِنْ الْإِذَاعَةِ، وَتُوجِبُ حِفْظَ الْأَمَانَةِ، فَمَنْ كَمُلَتْ فِيهِ فَهُوَ عَنْقَاءُ مُغْرِبٍ." [1] "
قلت: وكتمان الأسرار يتأكد خاصة فيما يتعلق بالجهاد في سبيل الله والحرب، إذ إنه يدخل في عموم حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «سَمَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحَرْبَ خَدْعَةً» [2]
وعَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «الحَرْبُ خَدْعَةٌ» [3]
وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْخِدَاعِ مَعَ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَ اتَّفَقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ، أَوْ أَمَانٍ، وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْكَذِبِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا يَجُوزُ مِنَ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ الْمَعَارِيضُ، وَحَقِيقَتُهُ لَا تَجُوزُ، وَالظَّاهِرُ إِبَاحَةُ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ، لَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّعْرِيضِ أَفْضَلُ" [4] "
وكيف تخدع عدوك إذا لم تكتم أسرارك، فعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، «إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا» [5]
فَإِنَّ المُراد أَنَّهُ كانَ يُرِيد أَمرًا فَلا يُظهِرهُ كَأَن يُرِيد أَن يَغزُو جِهَة الشَّرق فَيَسأَل عَن أَمر فِي جِهَة الغَرب، ويَتَجَهَّز لِلسَّفَرِ فَيَظُنّ مَن يَراهُ ويَسمَعهُ أَنَّهُ يُرِيد جِهَة الغَرب، وأَمّا أَن يُصَرِّح بِإِرادَتِهِ الغَرب وإِنَّما مُراده الشَّرق فَلا، والله أَعلَم. [6]
وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى أَخْذِ الْحَذَرِ فِي الْحَرْبِ وَالنَّدْبُ إلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ مَنْ يَتَيَقَّظْ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْعَكِسَ الْأَمْرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَ مَا أَمْكَنَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخِدَاعُ فِي الْحَرْبِ يَقَعُ بِالتَّعَرُّضِ وَبِالْكَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(1) - أدب الدنيا والدين (ص:306)
(2) - صحيح البخاري (4/ 64) (3029) وصحيح مسلم (3/ 1362) 18 - (1740) وهو حديث متواتر
(3) - صحيح البخاري (4/ 64) (3030) وصحيح مسلم (3/ 1361) 17 - (1739)
(4) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2535)
(5) - سنن الدارمي (3/ 1592) (2494) صحيح
وفِي الْحدِيث: إباحةُ الخِداع فِي الْحَرْب، وَإِن كَانَ مَحْظُورًا فِي غَيرهَا من الْأُمُور، شرح السنة للبغوي (11/ 41)
(6) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 159)