فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 501

-صلى الله عليه وسلم - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَمْحُهَا) أَيْ: تَدْفَعُ الْحَسَنَةُ السَّيِّئَةَ وَتَرْفَعُهَا وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ، وَالْمُرَادُ يَمْحُو اللَّهُ بِهَا آثَارَهَا مِنَ الْقَلْبِ أَوْ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ، هَذَا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَبْدِ فَتُدْفَعُ الْحَسَنَةُ إِلَى خَصْمِهِ عِوَضًا عَنِ الْمَظْلِمَةِ أَوْ يُرْضِيهِ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَأَحْسَنَ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّهُ حَاسَبَنِي حَتَّى طَالَبَنِي بِيَوْمٍ كُنْتُ صَائِمًا، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ أَخَذْتُ حِنْطَةً مِنْ حَانُوتِ صَدِيقٍ لِي فَكَسَرْتُهَا فَذَكَرْتُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِي، فَأَلْقَيْتُهَا عَلَى حِنْطَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ حَسَنَاتِي بِمِقْدَارِ أَرْشِ كَسْرِهَا. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: صَغَائِرُ الذُّنُوبِ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِالْحَسَنَاتِ، وَكَذَا مَا خُفِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31] وَالْحَدِيثِ، أَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَتَحَقَّقَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهَا وَلَا بِالتَّوْبَةِ، وَلَمَّا وَصَّاهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصْلَاحِ نَفْسِهِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَقَالَ: (وَخَالِقِ النَّاسَ) :أَمْرٌ مِنَ الْمُخَالَقَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ أَيْ: خَالِطْهُمْ وَعَامِلْهُمْ (بِخُلُقٍ حَسَنٍ) :وَهُوَ بَسْطُ الْمُحَيَّا وَبَذْلُ النَّدَى وَتَحَمُّلُ الْأَذَى" [1] "

قال ابن رجب الحنبلي: [وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم:" «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» "هَذَا مِنْ خِصَالِ التَّقْوَى، وَلَا تَتِمُّ التَّقْوَى إِلَّا بِهِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلْحَاجَةِ إِلَى بَيَانِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ الْقِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ دُونَ حُقُوقِ عِبَادِهِ، فَنَصَّ لَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِإِحْسَانِ الْعِشْرَةِ لِلنَّاسِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ مُعَلِّمًا لَهُمْ وَمُفَقِّهًا وَقَاضِيًا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَالَقَةِ النَّاسِ بِخُلُقٍ حَسَنٍ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّا لَا حَاجَةَ لِلنَّاسِ بِهِ وَلَا يُخَالِطُهُمْ، وَكَثِيرًا مَا يَغْلِبُ عَلَى مَنْ يَعْتَنِي بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ، وَالِانْعِكَافِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَإِهْمَالِ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوِ التَّقْصِيرِ فِيهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ عَزِيزٌ جِدًّا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ إِلَّا الْكُمَّلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ. وَقَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ عَزِيزَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ: حُسْنُ الْوَجْهِ مَعَ الصِّيَانَةِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعَ الدِّيَانَةِ، وَحُسْنُ الْإِخَاءِ مَعَ الْأَمَانَةِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جَلَسَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَالِيًا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَالِي أَرَاكَ خَالِيًا؟ قَالَ: هَجَرْتُ النَّاسَ فِيكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: يَا دَاوُدُ أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى مَا تَسْتَبْقِي بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ، وَتَبْلُغُ فِيهِ رِضَايَ؟ خَالِقِ النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ، وَاحْتَجِزِ الْإِيمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَقَدْ عَدَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مُخَالَقَةَ النَّاسِ بِخُلُقٍ حَسَنٍ مِنْ خِصَالِ التَّقْوَى، بَلْ بَدَأَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:133 - 134] .] [2] .

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3177)

(2) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 454)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت