فهرس الكتاب
قال المهدي في البحر: إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد ولا سكوت رضا أي من العلما، وإنما فعله أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل وسكت المسلمون والعلماء من غير رضا، وهو كلام حسن وفي قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:"ما أمرت"، إشعار بأنه لا يحسن ذلك فإنه لو كان حسنًا لأمره الله به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وأخرج البخاري، من حديث ابن عمر:"أن مسجده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان على عهده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مبنيًا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة وبنى جدرانه بالأحجار المنقوشة والجص وجعل عمدة من حجارة منقوشة وسقفه بالساج".
قال ابن بطال: وهذا يدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينها، فقد كان عمر مع كثرة الفتوحات في أيامه وكثرة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم عند عمارته:"أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس"، ثم كان عثمان والمال في زمنه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك، وذلك في أواخر عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة.