الصفحة 174 من 716

وقد جمع بينها في الهدى النبوي فقال: أحاديث أنس كلها صحاح، يصدق بعضها بعضًا، ولا تناقض فيها، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، الذي قال فيه النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:"أفضل الصلاة طول القيام"، والذي ذكره بعد، هو: إطالة القيام للدعاء، ففعله شهرًا يدعو إلى قوم، ويدعو لقوم، ثم استمر تطويل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، كما دل له الحديث:"أن أنسًا كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسى، وأخبرهم أن هذه صفة صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم"أخرجه عنه في الصحيحين، فهذا هو القنوت الذي قال فيه أنس:"إنه ما زال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حتى فارق الدنيا"، والذي تركه هو الدعاء على أقوام من العرب، وكان بعد الركوع، فمراد أنس بالقنوت: قبل الركوع، وبعده، الذي أخبر أنه ما زال عليه: هو إطالة القيام في هذين المحلين بقراءة القران، وبالدعاء.

هذا مضمون كلامه. ولا يخفى أنه لا يوافق قوله:"فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا". وأنه دل على أن ذلك خاص بالفجر، وإطالة القيام بعد الركوع عام للصلوات جميعها. وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه الحاكم، وصححه:"بأنه كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح الركعة الثانية، يرفع يديه، فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت إلى اخره". ففيه عبد الله بن سعيد المقبري ولا تقوم به حجة. وقد ذهب: إلى أن الدعاء عقيب اخر ركوع من الفجر سنة جماعة من السلف، ومن الخلف: الهادي، والقاسم، وزيد بن علي والشافعي. وإن اختلفوا في ألفاظه، فعند الهادي: بدعاء من القران، وعند الشافعي: بحديث:"اللهم اهدني فيمن هديت إلى اخره".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت