جاءت رواية في الصحيحين: فلما رأى ما في وجهه قال: « إنَّا لم نرده عليك إلا أنا حُرم » . وقوله: ( لم نرده ) : يجوز ضم الدال وفتحها ، وأصل هذا الفعل: لم نردده ، فأدغمت إحدى الدالين بالأخرى فجاز فيها الفتح والضم ، ولكلٌ وجهه من حيث اللغة .
وقوله: « إلا أنا حُرم » :
جعل النبي صلى الله عليه وسلم منع قبول الهدية هو كونه حرمًا فأفاد هذا أن المحرم لا يقبل الصيد مطلقًا ، فهذا دليل القائلين بمنع أكل الصيد مطلقًا كما هو مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وإسحاق والثوري وجماعة من الأئمة ، وقد تقدم عندنا أن مذهب الجمهور الجمع بين الخبرين ، فيحمل حديث الصعب على أن الصيد صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم ، ويحمل حديث أبي قتادة على خلاف هذا وأنه إذا لم يشر أحد عليه ولم يصد لأجل المرء ، فحينئذ يأكل ولا يمتنع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من صيد أبي قتادة . والجمع بين النصوص أولى من إلغاء أحدهما ، فقد قال في المراقي:
والجمع واجب متى ما أمكنا وإلا فللأخير نسخٌ بَيِّنَاَ
وهذا اختيار الإمام ابن عبد البر والإمام ابن القيم عليهما رحمة الله .
ويستفاد أيضًا من حديث الصعب مشروعية مراعاة الخواطر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين رد عطية الصعب تغير وجه الصعب فبين النبي صلى الله عليه وسلم السبب في الامتناع كي يطيب خاطره فقال: « إنَّا لم نرده عليك إلا أنا حرم » .
ويستفاد أيضًا جواز رد الهدية للسبب الشرعي ، كأن تعلم أن المهدي صاحب منَّة أو أن المهدي يتحدث بها أو يعيّرك بها ، أو تعلم أن المهدي يطلب ثوابها وليس عندك جزاء ، فحينئذ لا مانع من أن ترد الهدية ، ويجب رد الهدية إذا كانت مغصوبة أو مسروقة ، لأنك إن قبلتها أعنته على الإثم والعدوان والله تعالى يقول: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } .