فهرس الكتاب
, وقال عمر - رضي الله عنه: (الجرأة والجبن غرائز يضعهما الله حيث شاء , فالجبان يفر عن أهله وولده , والجريء [22و] يقاتل عمن لا يؤبه به) (1) .ووقع في أبي فراس الحارث ابن حمدان نصل سهم أقام في بدنه ثلاثين شهرًا حتى خرج, فقال شعرًا: (2) [من الطويل]
فلا تصفن الحرب عندي فإنها ... طعامي مذ بعت الصبا وشرابي
وقد عرفت وقع المسامير مهجتي وشقق عن زرق النصول إهابي
ولججت في حلو الزمان ومره ... فأنفقت من عمري بغير حساب
وقال أيضًا (3) : [من المديد]
وليس الفتى من حير الخطب صبره ... ولكنه من حار في صبره الخطب
استطراد:
نقل أصحاب التواريخ أنه كان ملوك يلقبون بالخمارين , واشتهر عنهم أنه من دخل سجنهم الغالب عليه أنه لا ينجو من القتل , فاتفق أن وزيرًا من وزرائهم كان مسجونًا , فأتي برجل عليه دين لبعض ,فرأى الوزير محبوسًا , مطوقًا بالحديد من يديه ورجليه لا يستطيع إمساك شيء , وفي خدمته غلام له يأتيه بقدح الشراب , فيشرب ويغني , فهو في لهو وطرب , فتعجب الرجل , وبقي متفكرًا في أمر الوزير [22ظ] وما هذا اللهو في مثل هذا المكان , وعلى هذه الحالة التي رآه عليها؟!
فعند ذلك التفت الوزير إليه , وقال: يا رجل مالي أراك متفكرًا؟
فقال: كيف لا تأخذني دهشة من فعلك , وهناء عيشك - مع ما أراه من حالك - , فقال له: عندي لك ما هو أعجب مما رأيت , قبل دخولك خرج من عندي خادم الملك يخبرني أنه غداة غد بعد صلاة الظهر - يقتلك الملك - , فقال الرجل: وما هذه الحالة مع تيقنك بإنصرام الأجل؟! واني حبست على كذا وكذا من الَدُنْانير , لا أرقب قتلًا , وقد ضاقت علي الأرض بما رحبت , فعند ذلك أمر الوزير غلامه , فدفع للرجل ما حبس عليه من الَدُنْانير , وقال له: يا هذا (اليوم خمر وغد أمر(4 ) ) وما يدريك ماذا تنسجه يد القدرة إلى غد , فخرج الرجل من
(1) عيون الأخبار: 2/ 171.
(2) الأبيات ليست في ديوانه تحقيق د. إبراهيم السامرائي، لكنها في الغيث المسجم:1/ 352.
(3) البيت ليس في ديوانه.
(4) ينظر: الأمثال لمؤرج السدوسي: 68، والأمثال للضبي: 54، وجمهرة الأمثال:2/ 431، ومجمع الأمثال 2/ 251، ومعناه كما يقول الميداني: (( يشغلنا اليوم خمر وغدا يشغلنا أمر، يعني الحرب ) ). وقائل هاذ المثل هو امرؤ القيس بن حجر الكندي عندما بلغه مقتل أبيه.