الصفحة 147 من 583

الأجور , بلغ السلطان (1) أخبار هذا الكريم المرحوم , فصيره وزيرًا من جملة الوزراء , وولاه البصرة , فتوجه إليها في تمام الحادي والستين بعد المئة والألف , فدخلها.

فسار مع أهلها السيرة الحسنة , وأجراهم على عوائد بره المستحسنة , فاتفق أن صار ذلك العام في البصرة , الجدب والقحط , فحصل لأهلها فاقة وضيق معيشة , فخرج الوزير المذكور - رحمه الله - من البصرة , ترفيهًا لأهلها , وشفقة عليهم , كي يبقى ما ينفقه على نفسه , وعلى جنوده , لهم , وهو يقضي السنة من خارج , فلم يزل تنقله الهمة, وهو يشتري من أهل القرى و المزارع ما يحتاجه بنقود الدراهم , ويسير مع الضعفاء بسيرة الأكارم , حتى وصل إلى حلة ابن دبيس (2) , فوجدها رخية , كثيرة الغلات , وافرة الخيرات , فأقام في نواحيها ينتظر زوال اللأواء عن البصرة , حتى يرجع إليها , إذ هي كما قدمنا دار إقامته , ومنفذ حكومته.

فوشى به بعض أهل النفاق , وقاصدي البغضاء والشقاق , عند والي بغداد (3) , بما تنهد من بهتانه الجبال , وتنفطر من تزويره الأكباد , فثارت بين الوزيرين فتنة عظيمة يعض من عاقبتها كل عاقل على يديه , ويغص من غائلتها كل كامل بريقه والماء لديه , وكان مع الوزير المرحوم إذ ذاك من العساكر نحو من سبعمئة فارس , قد تعودت في الحروب نهب الأرواح [28ظ] وتعوضت عن الصياح في الكفاح , الطعن بالرماح , والفلق بالفيالق بالبيض الصفاح , مع أن الوزير الكبير يغني وحده عن الجحافل , ويقوم مقام الألوف , من الصفوف , في إصابة المقاتل , من كل مقاتل.

وحشد وزير بغداد الجنود من جميع الأطراف , ووعدهم الوعود المقتضية للهلاك والتلاف , وجمع من بطون العشائر , ما لا تحيط بجمعه الأقلام والمحابر , فسارت إليه

(1) هو السلطان العثماني محمود الاول ابن مصطفى الذي تولى الخلافة في 16 ربيع الاول سنة 1143هـ (معجم الانساب والاسر الحاكمة: 240) .

(2) هو سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس الاسدي، صاحب الحلة، كان أول من عمرها ونزلها فنسبت إليه، قتل سنة 551هـ. ينظر: معجم البلدان:2/ 294، وخريدة القصر (قسم العراق) 4/ 1/163 - 169.

(3) هو احمد باشا الكسرية لي والي بغداد المتوفى سنة 1161هـ، ينظر: تاريخ العراق بين احتلالين:5/ 290 - 292، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث:200، وبغداد لباقر أمين الورد:222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت