الصفحة 148 من 583

من بغداد كتائب كثيرة , وجموع غزيرة , لم يسر بها ذو القرنين (1) , ولا سمع بمثلها ذو الرياستين (2) , أمم من بطون مختلفة , وعشائر من أظهر مختلفة , أعراب وعرب

وعجم وكرد وغير ذلك مما لا يعلم عددهم إلاّ خالقهم , فعبروا الفرات , واتوا إليه من جميع الجهات , فكان ما مع الوزير من السلاهب (3) , كربع عشر ثمن كتيبة من هاتيك الكتائب , ولكن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء , فحف الله جمع الوزير بالنصر , وقرن بهم الغلبة والقهر , وفرق في مثل ساعة أو أقل تلك الجموع , تفريق الريح السحائب , وترك أكثر أولئك الفرسان نهبة للسمر القواضب , وهذه نصرة لم يتفق مثلها إلاّ لنبينا -صلى الله عليه وسلم - , في بدر ولأحزاب , ولم نسمع بمثلها لملك في مصنف أو كتاب , وعن هذه الوقعة بعض شعرائه الفصحاء (4) ,ومداحه من العرب , يقول من قصيدة طويلة: [28 ظ] [من السريع]

أما ترى المغوار في وقعة الـ ... أحزاب كم جدل فرسانًا

إذ بصرة الفيحاء قد أجدبت ... وكان فيها الشهم سلطانا

فرام أن يخرج أجناده ... منها إلى أكناف بغدانا (5)

لكي يخفف الجدب عنها وكي ... يشمل منه اللطف سكانا

فسار بالجحفل عن قطرها ... متخذ الحلة أوطانا

وحيثما خيم في دوها ... قد حصلت دون القرى شانا

واستر أهلوها بمن زارهم ... إذ امنوا ظلمًا وعدوانا

(1) هذا اللقب يطلق على عدة أشخاص، أوصلهم بعض المؤرخين إلى أربعة بيد انه اشتهر منهما اثنان: الاسكندر الرومي قاتل دارا، والملك السائح الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وقد خصته العرب بهذه التسمية دون سواه. ينظر: ثمار القلوب:280 - 286، وخلاصة السيرة الجامعة:122 - 141، وجنى الجنتين:161.

(2) هو الفضل بن سهل، وزير المأمون، سماه المأمون ذا الرياستين لأنه دبر له أمر السيف والقلم وولي رياسة الجيوش والدواوين، ت 202هـ ينظر: ثمار القلوب:292، ومروج الذهب:4/ 5، تاريخ بغداد: 12/ 339، ووفيات الأعيان: 4/ 41 - 44، وشذرات الذهب: 2/ 4.

(3) السلهب: الطويل عامة، أوهو الطويل من الرجال، ما عظم وطال. القاموس المحيط:1/ 83 (سلهب) .

(4) هو الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السُّويْدِي، ديوانه:80 - 81.

(5) بغدان لغة في بغداد. القاموس المحيط 1/ 278 (بغد) ،ولسان العرب: (بغد) :3/ 87 - 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت