فهرس الكتاب
مذ بلغ الخنكار (1) أخباره ... ولاّه للرأفة بغدانا
حيث رآه باسلًا فاتكًا ... يردي العدا فرسًا وعربانا
ذا نجدة غوث صريخ أخا ... الجودة حسانًا وحسانا
بعد العنى نال لذيذ العلا ... واغتنم الراحة تعبانا
فسار متوجهًا إلى بغداد , وتباشرت بقدومه الضعفاء من الأرامل والأيتام , لما يعلمونه من عظيم الرأفة , وشفقته على الخاص والعام , ودخلها وقد لبست لقدومه أثواب الأفراح , بعد أن كانت في زي محدة وزال عنها نكد الأتراح , وقد كانت قبل في أنكاد متعددة [29ظ] وصارت بالسرور والهنا , محفوفة من هنا وهنا , وفرح أهلها , مذ جاء بعلها ,وزينت لقدومه الأسواق , وقام عندليب الأفراح يغرد على ساق , وسار بأهلها سيرة الشيخين: أحمد والحسن , ونفى عنهم كل غين بخلقه المستحسن , وشمل بلطفه جميع من فيها , وعم إحسانه في ظاهرها وخافيها , وجدد أساس العدل والإنصاف , وهدم قواعد الجور والإعتساف , ونام أهلها بأيامه رغدا , حيث امنوا من جميع الجهات نكدا.
ومن جملة عدله أنه مدة حكومته في بغداد لم يسفك دمًا بغير وجه شرعي , ولم يأخذ من أحد درهمًا واحدًا إلًا قرضًا , وعاشت في أيامه أناس كثيرة على أنعامه وإكرامه , وعمرت بيوت غزيرة , على عطاياه حيث كانت كثيرة , ولم يبق في بغداد صوفي أو طالب علم إلاّ وفد شمله ألطافه , وعمه إسعافه , وكان -رحمه الله - مع ما له من الهيبة والجلالة , صغير النفس جدًا ,كثير التواضع , وكانت له عبادات حسنة لا يشك احد في أنها مقبولة , وكانت له مع نفسه محاسبات ومعاتبات , وكان يتألم إذا سمع بأحد من أهل البيوت في فاقة , حتى يعطيه ما يدفع فاقته , ولم يزل هذا دأبه - رحمه الله - حتى اشتاق جوار ربه , فمضى وطعم الموت في فيه أحلى من الشهد , حيث أنفق عمره في طاعة إنفاقا , وطنبت النحوسة على بغداد [30و] وكثر بعده الجور. والفساد , وانقلب فرحها حزنًا عميمًا , وصار عيشها هشيمًا , ومصابها عظيمًا , وخطبها
(1) كلمة فارسية بمعنى السلطان، ينظر: تكملة المعاجم العربية: 4/ 227.