الصفحة 202 من 583

المعنى:

ولست بالرجل المسن القصير الجثة , مذموم الخصال , يشبه القراد , وهذا غير محمود في الرجال , وما ذكره كناية عن بطء الحركة والثوران في الخطوب , وأنه سريع الإقدام في التنادي والحروب , أو أن المعنى: لم أكن ممن يكثر مجالسة النساء , يقصد مغازلتهن مؤملًا الوفاء إذ الغالب على من هذه هجيراه قلة الحزم , وهو بمعزل عن الإقدام [55و] وشدة العزم , ولم أكن غبيًا بطء الكلام , كالثور يملأ لسانه فمه , بل إِني فصيح الكلام , عذب المنطق , جيد البديهة , ووافق نطقه فمه , ولقد صدق الشَّنْفَرَى بما ادعاه , ونسج الكلام وأوعاه , لأن من كان نظمه هذه القصيدة فهو بمعزل عن العي والفهاهة , مستجمع لجميع محاسن أصحاب النباهة , ولست أيضًا بالثقيل الذي إذا أفزعه أمر ثار بغير سلاح , وصار من دهشته لا يفرق بين الصباح والمصباح , إذ مثل هذه الحركة تنافي الحزم والهمم , وصاحبها يظلم , فينبغي للعاقل التجرد عنها , وإن آمن من النائبات وتحكم , إذ ربما يدهمه الخطب , فلا يستطيع له تلاق , ويكون في إدراك رده حيرانًا دهشًا مما لا يطاق , ولله در القائل (1) : [من الطويل]

ولكن من لم يلق أمرًا ينوبه ... بعدته (2) ينزل به وهو أعزلُ

وقال البوصيري في مدح أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا ... من شدة الحزم لا من شدة الحزم (3)

وقال زهير بن [أبي (4) ] سُلمى (5) : [من الطويل]

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم , ومن لا يتقي الشتم يشتم

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (خير الناس رجل ماسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها(6 ) ) إلى آخر الحديث.

(1) هو أُمية بن أبي الصلت الثقفي، شاعر جاهلي حكيم، أدرك الإسلام ولم يسلم، ت5 هـ (الخزانة:1/ 247 - 253، ومقدمة ديوانه: تحقيق الدكتور السطلي) .

(2) في الأصل: بعدية وهو تحريف، والتصحيح عن الديوان، ديوانه: 433.

(3) ديوان البويصري:199.

(4) أبي ساقطة من الأصل، وأضفتها من المصادر.

(5) شعره:43، والرواية فيه:

ومن لايذد عن حوضه بسلاحه ... يهدَّمْ، ومن لايظلم الناس يظلم

(6) الحديث في: النهاية في غريب الحديث والأثر:5/ 288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت