قفزت شاكي من مكانها، واتّكأت على بندقيتها، وسارت تخب، حتَّى وصلت سورين. تأمّلته جيدًا، ثمَّ ما لبثت أن احتضنته.
حدّثته بالأرمنية، ففرح كثيرًا، وتشبّث بها، وقال لها بأنه ابن هاصميك. عانقته، وأخذت تشم وجهه وجسده ولباسه، وتبكي بكاءً محرقًا، أثارت دهشة الواقفين جميعًا.
قال لها علي بك:
ـ حدّثيه بالأرمنية يا شاكي، وافهمي لنا أين تقيم أمه الآن.
تحدّث سورين لأم المناضلات حديثًا غريبًا.
قالت شاكي:
ـ إنه يتذكر رحلة العذاب التي لاقاها مع أمّه وجدته وخالته. ويقول إنه كان يعيش مع أمه في أرمينيا بعد وفاة جدّته وخالته، ومنذ شهر نادته أمه وهي على فراش الموت، وأمرته أن يفتح حقيبتها الجلدية المودعة في صندوق ملابسها، ويُخرج منها هذه الوريقة.
قالت له الحقيقة كاملة، وطالبته بالسفر إلى دير الزور ورؤية أبيه وإخوته إن كان له إخوة، وأن يحمل إليهم المال اللازم لإسعادهم، وخوفًا من عدم تصديقه أعطته وثيقة زواجها كدليل على صحة ادّعائه.
لقد أذهلت الحقيقة وجوه الحاضرين، فهلّلوا وكبّروا، وحملوا سورين على الأكتاف، وصاحوا بأعلى صوت:
ـ سورين، ابن الشهيد أحمد الصباغ.
قال علي بك لشاكي:
ـ اسأليه... هل أمه حيّة أم ميتة؟
تحدّثت معه، ثمَّ قالت:
ـ لقد رحلت عن الدنيا بعد أن أوصته بالسفر إلى دير الزور، وأقسمت عليه بأن يرى أهله فيها ويساعدهم، ويعتذر عن عدم تحدّثه باللغة العربية رغم محاولات أمّه على تعلُّمها. يقول: استطعت أن أفهم العربية لكنني لا أتكلم بها كثيرًا.
قال علي بك:
ـ لا يهم، سيتعلّمها آجلًا أو عاجلًا ما دام جذره هنا. وطلب علي بك من ياسين وسلطان أن يأخذاه إلى بيت أهله بعد أن يزوروا قبر أبيه في مقبرة الشهداء.
سار سورين برفقة ياسين وسلطان إلى مقبرة الشهداء، ووقفوا خاشعين أمام قبر الشهيد أحمد الصباغ. قرأ ياسين سورة الفاتحة جهرًا، فرفع سلطان كفيه، وتمتمت شفتاه بأم الكتاب، فما كان من سورين إلا أن عمل مثلهما وأخذ يتمتم تمتمات لم يفهما معانيها، لكن عينيه هطلتا دموعًا مدرارة.
رجعوا إلى بيت أحمد الصباغ، فوجدوا أم المناضلات وعلي بك في استقبالهم.
قالت شاكي لسورين:
ـ إن أباك تزوج بعد رحيلكما إلى حلب، وله ولدان شابان هما /الحسن والحسين/ وهاهما هنا يعيشان مع جدتهما أم سامي.
أقبل الحسن والحسين على أخيهما، فعانقاه بحرارة، وطفرت دموعهما وهما يحتضنانه، وبكى الواقفون جميعًا أمام هذا المشهد المؤثر.