فهرس الكتاب

الصفحة 810 من 1574

سقف من طين

رواية

الحقوق كافة

محفوظة

لاتحاد الكتّاب العرب

البريد الالكتروني:unecriv@net.syE-mail:

موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت

تصميم الغلاف للفنانة: سمر رمضان

كفى الزعبي

سقف من طين

* رواية *

سانت بطرسبورغ 1998

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب

انطلقت السيارة تقلها إلى المطار مسرعة.

جلست بجانب النافذة وراحت تراقب شوارع لينينغراد المعروفة لديها جيدًا وهي تتراكض مسرعة إلى الوراء كأنها السنوات تجمعت في تلك الليلة. تجمعت في ليلة واحدة وباتت تتسارع من على طرفي الشارع إلى الخلف.

استمرت السيارة بسيرها.

وكانت مريم تترك عمرًا قضته في هذه المدينة يمر، يبعد ويصغر ليتحول في النهاية إلى نقط سوداء ترقد ساكنة في المكان وفي ذاكرتها.

كان الوقت ليلًا… وكانت المدينة هادئة لا يقلق نومها صوت السيارات القليلة التي تمر بين الحين والآخر، ولا حشرجات الشجر التي تداعبها رياح شباط الباردة.

استكانت البنايات على جانبي الشارع، وبدت لها عملاقة طيبة ومتسامحة أرهقها عبث الناس بها نهارًا، وهم في حركة دائمة يدخلون في أحشائها ويخرجون، يتراكضون بداخلها، يصفقون أبوابها ونوافذها، يتصارخون ويهدؤون. وهي بصبر أخرس تراقب الحياة الجنونية المشتعلة في داخلها، بانتظار هذا الليل، لتلقي كل واحدة رأسها على كتف الأخرى جذلى ومستكينة.

وبرغم أن الأضواء المترامية على الرصيف كانت تحاول جاهدة أن تخفف العتمة المحيطة بالمكان، فإنها كانت تبدو نقطًا صفراء معلقة تمتد مع استقامة الشارع لا تملك حتى أن تنير العمود المحمولة عليه. وتذكرت مريم ضوء القمر هنيهة.

كان ضوؤه يبدو لها أحيانًا -وخاصة حينما تكون السماء رمادية- كشيب منفوش برأس عجوز أنهكته الأيام بالحفر على وجهه خطوطًا وتجاعيد. ومع ذلك، فحينما تصفو السماء ينساب الشيب خطوطًا شفافة يرسلها القمر، فتمتزج بسطح الثلج جاعلة من حباته لآلئ تتراقص في مكانها وتشع نورًا فضيًا.

أدهشها هذا المنظر حين رأته أول مرة، فليس سوى قمر، ثلج وليل يسحب عتمته بحياء أمام تجلي هذا الانسجام الذي يهدي الأشياء أشكالها، فلا تعود تدرك أمن السماء ينبعث هذا الفرح أم من الأرض.

لم يكن قد مضى حينذاك وقت طويل على قدومها إلى مدينة موسكو، حيث قضت فيما بعد أول سنوات دراستها. وبقيت موسكو بالنسبة إليها المدينة الأم التي ولدت فيها ثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت