وليس الثلج والقمر وحدهما اللذان أعادا تشكيل الحياة في داخلها.
كانت مريم في الثامنة عشرة من عمرها حينما قدمت إلى هذا البلد، ولم تكن خارطة العالم قبل ذلك توحي إليها بشيء سوى خطوط متعرجة تحصر في داخلها مساحات متفاوتة في الشكل واللون. وأكثر ما كان يثير فضولها في تلك الخارطة هو كيف استطاعوا أن يرسموا هذه التعرجات المعقدة بدقة، وهل هي بالفعل تصور الواقع أم أنها من خيال عالم مل من رسم جزء بدقته ثم أنهى الباقي حسب ما أملت عليه مخيلته.
أما الحدود الحقيقية التي لم تكن تشك بدقة تعرجاتها، فهي حدود قريتها الصغيرة التي أتت منها.
حل المساء بموعده كما لو كان مختبئًا وراء الهضاب بانتظار احتضار آخر شعاع للشمس، ليقوم بهيبة الفارس الذي خلت له الساحة كي يعترش الأفق ويلفه بعتمة لا متناهية.
ما زال الوقت مبكرًا وليس من سبب أو حدث يدفع عقارب الساعة لتتراكض في دائرة سجنها الأبدي، فتستمر بالتنقل من دقيقة إلى أخرى على مهل، تاركة وراءها مسافات زمنية فارغة، تثير فيها رغبة عارمة في أن تُحشى بشيء ما، بحدث عابر يحطم هذا الملل.
وقفت مريم بجانب النافذة، وراحت تراقب الشارع الوحيد الذي لا تهدأ الحياة فيه، فقد كان امتدادًا للنقطة الحدودية الشمالية التي ترامت القرية على أطرافها.
كانت السيارات لا تكف عن سفرها ليلًا باتجاه الجنوب والشمال، وكان مرورها السريع يحدث ضجيجًا متقطعًا يخترق سكون القرية لحظاتٍ ويهدأ. ومع الزمن تعوّد الناس عليه وأصبح هذا الضجيج أحد مكونات السكون في قريتهم.
راقبت المشهد قليلًا ثم ابتعدت عن النافذة، باتجاه الباب، وقد كانت هي وأمها وأختها فاطمة يسكنّ إحدى الغرف في منزل بناه أخوها وشغل هو وأسرته بقيته، وكان باب الغرفة الوحيد مفتوحًا على شرفة مشتركة.
خرجت، ثم جلست على عتبة الشرفة المطلة على ساحة صغيرة انتشرت فيها بعض الأشجار المثمرة التي اعتاد أطفال أخيها على أكل ثمارها قبل أوان نضجها، عدا ثمار شجرتي الزيتون لتعذّر أكلها نيئة. وفي زاوية الساحة مدت شجرة العنب أغصانها باتجاهات مختلفة على الأرض، مشكلّة خيمة صغيرة ومأوى لكثير من الحشرات والزواحف. أما شجيرات الورد فقد أوشكت على اليباس نتيجة قلة الماء والإهمال وعبث الأطفال الدائم بها.
وفي الجهة الأخرى المواجهة للبيت والتي تحاشت مريم النظر إليها قامت غرفتان طينيتان كانت العائلة تسكنهما من قبل.