حارس الماعز
الحقوق كافة
محفوظة
لاتحاد الكتّاب العرب
البريد الالكتروني:unecriv@net.syE-mail:
موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت
إبراهيم الخليل
حارس الماعز
رواية
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2003
*إشارة:
"-في البدء كان الخراب سيد المكان وسلطانه"
…ثم جاء الباشاوات ومخافر الدرك.""
…من تاريخ البلد السرّي
النصُّ الأوَّل
حارس الماعز
الطريق إلى إيالة الخراب
تهب النسمات رخية عند الأصيل.
فتحرك رؤوس الشجيرات الرعوية، وتقلق حركة العظايا والطير والذؤبان الحذرة، بينما تكسب الظلال الزاحفة، وأبواق اللون الضهاري والرجوم مهابة جليلة، وسكونًا راسخًا، والسماء سجادة من الياقوت الحار، والنبيذ الذهبي، والقرفة، تزحف نحو الانطفاء في العتمة.
فتطلق بادية الشام النفير، تأهبًا لانطفاء نهار آخر في عزلة المكان القديس الذي ظل حفيًا بأوثانه، وأرواحه المهوِّمة في الضوء المتشنج، حيث القنوت الرعوي، والطواطم التي فقدت وظيفتها، ولم تفقد تأثيرها السري.
وكان الرجال منشغلين بترتيب شؤون المعسكر.
الجياد وجدت فرصة للراحة، والخيام تنتصب متجاورة، بعد أن نُظف داخلها من الأشواك والحجارة، وقد استقبلت الأرض الأجساد المتعبة بترحاب وحفاوة بالغين، ففارق الوجوه العابسة ذلك الوجوم والإرهاق، بعد تلك الرحلة الطويلة، وسرى ماء الرضا فيها.
-هذا العالم صامت، والصمت عدو غامض.
قال أحد رجال الباشا، يوجه خطابه إلى أحد الحرس، فأجابه:
-صامت أو أخرس، عدو أو صديق لا يهم، كل ما يهمني أن أضع رأسي على الوسادة وأنام.. فالنوم سلطان.
-النوم؟! أهذا كل ما تريد؟
-نعم.. يا صديقي.
وتمدد على فراشه بكامل ثيابه، غير عابئ بما يجري حوله من حركة وضوضاء، لبشر وأسلحة وحيوانات.
-يا ساقي العطاش.. اسقنا.
دندن سهف المجذوب بصوت هامس، وقد سرّه وجود شجرة الحرمل، هذه المباركة، التي عادة ما يصنع من حباتها سبحة طويلة، يلفها حول عنقه، ويتمتع ببخورها المتصاعد من الموقد في عزلته الصوفية، فيمتلئ بالحنين كما تمتلئ الكأس بالخمرة، ويذهب في تهاويم طويلة، وعذوبة غامرة.
-مولاي.. أعنّي على القادم.
عاود الدعاء مرة أخرى، وهو يقترب من زوج الماعز الشامي، الذي أصرّ على إحضاره معه، فهو لا يستطيع فراقه، أو التخلي عنه.