فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 1574

ومن بعيد لاح له الباشا، يجلس على كرسيه، وسط ذلك الخلاء العاري، وكان يتنفس من أنفه بصوت مسموع، بلحيته الحمراء الكثة، وقد وخطها الشيب، وحاجبيه الكثين، وينظر بأجفان ذابلة، أثقلتها الرغبات الجامحة المحمومة، رغبات هي خليط من الذهب والدم والدسائس، وها قد خانها الوقت، أما وجهه المورد، الطافح بالعافية، فقد بدا مسرحًا لانفعالات عميقة، ومتضاربة، بينما الطربوش الأحمر، يستقر فوق هامة، ظلت مرفوعة زمنًا طويلًا، لكنها الآن تنكس راياتها، وتخاوي المرارة والوحشة التي لا تطاق، وهو الذي اعتاد صخب القصور، وضوضاء المآدب، وحركة الأبواب الفخمة والسلاح، وبريق الثريات والقناديل، وأبهة الملك والسلطان، التي لا يعرف سحرها إلا من تذوقها.

-يا جبّار.

هتف باستغراق.

-يا قويّ.

وحرّك أصابعه الغليظة المشعرة، فتحركت حبات سبحة الكهرمان الثمينة، وبرق ذهب الخواتيم في يده، فهز رأسه هزة خفيفة، وكأنه يطرد خفافيش الغروب من سماء مستقبله التي كانت صافية كالماس، هذا المستقبل الذي تحدد بشكل مأساوي، لم يخطر في باله قبل أيام، فألح عليه السؤال:

-أية نهاية تنتظرك يا عبد الله باشا؟!

واقترب خادمه العجوز بالنرجيلة والنار، فلاذ ببعض العزاء، وهو يدس المبسم الفضي بين شفتيه الجافتين، وراقب الزخارف الذهبية، والزجاج الأخضر المعشق بصفائه الخالص، والنرجيلة أنثى، تنتصب مزينة بالدنادش البراقة، والخرز الأزرق.

ثم بدأت ثرثرة المياه، وتيجان الدخان الرمادي، تتصاعد من ذهب التبغ المحترق في الأعلى، معلنة بداية طقوس الباشا، وعاداته التي مارسها على مدى عقود من الزمن الألاّق.

-هل يحتاج مولاي شيئًا آخر؟.

-لا.

قال جازمًا، وأطبق أجفانه، واندفعت سورة الماء، تمتزج بسورة الروح، وارتعشت الدنادش بخفوت جنائزي، واندفع الدخان من أنفه خيوطًا من الحرير الرقيق، يعبث بها الهواء.

-يظل الباشا صلبًا وعصيًا على الانكسار، والرهان على هزيمته خاسرًا.

قال كاتم سره وخازنه المخلص إسماعيل، وهو ينظم صناديقه، وأوراقه الخاصة، وينتظر الانتهاء من ذلك، ليأوي إلى فراشه، فالرحلة متعبة لرجل عجوز في مثل سنه، والطبيعة قاسية لا ترحم من عاشوا حياة الرخاء والترف في قصور الولايات الأخرى.

وتابع الباشا نفث الدخان بلذة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت