فهرس الكتاب
ردد بينه وبين ذاته بأن الأيام القادمة ستجيب عن هذا السؤال. بصق على الأرض فاذا بقع من الدم تختلط مع لعابه، الجروح لم تلتئم بعد، جسده يئن .
أوثقوه إلى الشجرة ثلاثة أيام وهو يراقب ما يحدث، ويسمع صيحات الألم، وتحرشات الجنود، يضربونه على خده، يشمتونه، يبولون. نظرة واحدة تجعلهم يختصرون ما جاؤوا من أجله. ترى أيهما أشد إيلامًا أن يتعذب مباشرة أم يعذبوا غيره أمامه ؟
تأكد أنه غير قادر على فعل شيء، لأن الأيام التي مرت من القساوة بحيث يحني الموت رأسه ذليلًا. الشيء الذي لن يقدروا عليه هزيمة مبادئه وروحه .
احتضن الشجرة لتكون شاهدة على ممارساتهم ولترسل مع الريح زفراته وغضبه، عليها تصل بصوته إلى البعيد، ربما يسمع بعضها الذين شرقي النهر، لينقموا لتعذيبه .
الذين يتلذذون بالتعذيب يضحكون وهم ينفذون أوامر أسيادهم، هل يمكن أن تكون في نفس أي منهم كرامة؟ هؤلاء باعوا أغلى ما عندهم، وهم ليسوا أكثر من بغال تجيد الضرب والرفس وكل صنوف التعذيب.
تذكر كل لحظة من لحظات الفرح حتى أدق التفاصيل. نقاشه مع وصال وكيف صرخ في وجهها حين قالت له، تستطيع أن تصير غنيًا وصاحب أملاك، أنسيت أنك قائد!
-سأدفع ذلك من كرامتي
-لا كرامة لفقير .
البقاء في قيادة الثورة شرقي النهر يهبه مزايا، لا أحد يشك بأقواله وأفعاله، المؤيدون له يشعرونه بأنهم تحت الأوامر، يرون ما يراه، يدافعون عنه ومستعدون لخوض المعارك لأجله والتضحية بأرواحهم. لكنه رفض هذا حين احتدمت النقاشات والمهاترات حول أولويات الصراع وساحته الرئيسية، والتحرير الذي هو ابن صيحة في وادٍ، شعار افترعوه، صار كبنات الهوى .