فهرس الكتاب
استأجر بيتًا قريبًا من الشريط، راقب ما يحدث، أهل القرية يسهرون على الجانبين، يسمعون المذياع معًا وحكايات ألف ليلة وليلة والخراريف وعنترة. أما في الأعراس فالأغاني تفرد جناحيها على القسمين، ترتفع أبواق السيارات، ويصدح المزمار والمجوز بألحانهما العذبة، أما الصبايا فتبدأ بالرقص والدبكة والمهاهاة. مازال يذكر عرس خالد النواشفة، الذي خطب ابنة عمه من الجانب الغربي، جلس الطرفان والشريط بينهما، يعدون المهر ويتبادلون الأحاديث، ثم عند العصر حاولوا نقل العروس، فرفضت السلطات العسكرية، لكن هذا الأمر سوي مساءً. يومها كادت تقع مذبحة، قصوا الشريط ودخلوا إلى الجانب الغربي، أطلق عليهم الرصاص. تدخل المختار وأعاد كل شيء كما كان. قاد العروس من يدها وأوصلها إلى الجانب الشرقي .
مساء اجتمع في بيته عدد من الأهالي والمدرسين، تعودوا السهر عنده. استطاع خلال شهرين تنظيم مدرسين وخمسة فلاحين في حركة القوميين العرب، ولم يمض السنة الأولى إلا وكان فيها أربع خلايا نشيطة، تبدأ اجتماعاتها باسم العروبة وتنهيهابه، مع بداية فصل الصيف عمل دورة محو الأمية وفي نهايته رشح عشرة من أفراد التنظيم لدورة حزبية. تلقوا فيها محاضرات يومية عن العمل في أوساط الجماهير، في القومية العربية، في الوحدة والتحرر، المركزية الديمقراطية، النقد والنقد الذاتي وبناء الحزب ... في سنته الثانية تحول بيته إلى نادٍ خصص غرفة للاجتماعات الأسبوعية وأخرى للسهرة وثالثة لنومة. لم يعد أمره سريًا، الطفل في تلك البلدة عرف الكثير عن عمر. أفرزت السلطات الأمنية بعض عناصرها للعمل في البلدة .
مدير المدرسة حفاظًا على منصبه لم ينضم للحركة، لكن علاقته معها وطيدة لهذا وصفه المكتب الثاني، بأنه صديق لهم ومعاد للسلطة. ومع ذلك فضل أن يبقى على علاقة فردية. دفع الاشتراكات والتبرعات المترتبة عليه. سهر مع عمر ثلاث ليال حتى اقتنع بوجهة نظره.
كان المدرسون منقسمين إلى مؤيدين ومعارضين. أربعة منهم يدافعون عن السلطة، استطاع إسكاتهم وتفنيد حججهم، فانسحبوا ولم يعودوا لحضور مثل هذه السهرات .
الأحاديث لا تنتهي عن عبد الناصر والملك حسين وحزب البعث وحركة القوميين العرب والشيوعيين وحركة الأخوان المسلمين والامبريالية والصهيونية والاتحاد السوفياتي. كان دائم المزاح يجيب بأريحية عن الحياة والدين والعلم والماركسية ...