فهرس الكتاب
في الثورة لا يستطيع التطلع إلا إلى الشمس، الذهاب إلى الظل كي لا يدفع عيناه ولا يشعر بحرارة الجو والزوغان والثقل في الجفون. لا يعفيه من المبادرة. الألم يلف ويدور داخل جمجمته إلى الصدغين ومؤخرة الرأس. ماتت الابتسامة وذبلت الأفكار كما الأوراق التي تواجه بداية الشتاء. سيطر على ذاته وبدأ يسدد على هدفه، لقد هرب الخوف دون رجعة، لاشيء سوى الموت. لحظة انتهت ذخيرته، عب كمية من الهواء، إنه يشعر بآلام في جسده، لقد أصيب، ولابد من تحقيق نبوءة عبلة، لحظة اشتعل جسدها نورًا قبل عام حين صرحت:"ستدخل الأرض المحتلة وتقاتلهم حتى آخر رصاصة وسيجرحونك في رأسك، ويضعونك في السجن ولن يفرجوا عنك".
-ما معنى كلامك المتشائم ؟
-دعني أبكِ على هواي .
عيناها جمرتان موقدتان، وجسدها الناري يشع، قلبها أرنب بري، ودعته وقبلته قبلة طويلة وهي تقول:"مع السلامة"
حين ألقي القبض عليه تجددت الهواجس التي طاردت أمه. من أجل الخلاص من خوفها ووحشتها دعت جارتها للغداء وظلت ثلاثة أيام توزع الخبز وهي تردد"اللقم ترد النقم"
أحضرت قارئة تلت بعض السور، في نهاية اليوم الثالث مد يده إلى صدرها. سألته عن صحته فأجابها:
أنا بصحة جيدة يا يمّا .
طوقت القوات العسكرية المكان، شعر بتدفق الدم الحار من رأسه وجسده. ضعفت قوته، دعا رفاقه إلى النجاة بأنفسهم، ضغط على الزناد، فتش عن طلقات فلم يجد، رمى البندقية جانبًا، مد يده إلى الجعبة وأخرج رمانة، بأسنانه فتح مسمار الأمان، وألقاها. صوت يرتفع ويتقدم تجاهه يصيح:
"ارفع يديك، القوات الاسرائيلية تحاصرك، ارم سلاحك جانبًا، وارفع يديك، جيش الدفاع يضمن سلامتك. ارفع يديك ...."كانت هذه آخر الكلمات التي سمعها. ما حصل كان كبيرًا، ضربت القوات طوقين حول المكان، المروحيات تجوب المنطقة، إحداها حطت غير بعيدة عنهم.
توقف إطلاق النار من قبل الفدائيين، تأكدت القوات المحاصرة أن ذخيرتهم نفدت. بدؤوا يتقدمون وهم يطلقون النار. اعتقلوا المجموعة المتبقية. أما عمر فقد أغمي عليه، جروحه تنزف، اقترب منه ضابط وخاطبه"هيا أيها المخرب".