فهرس الكتاب
قال ذلك مع أن كان أكثرهم قتامة وحزنًا، غاص في أعماقه، تذكر ذاك الجسد الذي اشتكى من الظمأ فرواه. زوجته فواحة ذاك الخليط المتجانس من الورود والنعناع والفاكهة، تبتسم فيصير للكون طعم البرتقال ورائحة أزهار الليمون، بحر هائج يحتاج إلى عدة روافد، فيها شوق العالم ولذته، بحرها لا يحتضن الغرقى، وسماؤها جذلى مسيجة بالقرنفل الأحمر، تضج أنوثة، يهرب لون وجهها ويصير أكثر شحوبًا كلما اقتربت منه، غير قادرة على البوح بلوعة جسدهت وحبها للأطفال .
كم ذهبت زوجته إلى الأطباء وصرحت أنها لم تحمل، اصفر وجهه هذا السر لا يستطيع أن يبوح به، إذا عرفه الذين في الغرفة سيفقد جزءا من رجولته، وإذا بقي في قلبه فإنه سيفتته، قال حسان:
-ما بك ياشيخي غدًا تخرد وتتزوج ثانية ثم تحج .
-أراك تتهكم يا بن المستلقية على ظهرها، فلولا فرحك لعملت لك زفة كما يزف الصغار المجانين أيها الأبله، تأدب أيها الخاطب واحترم نفسك، ماذا رأيت من خطيبتك، إنها لم تشعل لك سراجًا واحدًا، ولم تبتسم، أحببتها على الرائحة، العشق عن بعد أيها الذي لم ير منها سوى شكلها الخارجي. آه من النسوة !
شعر أن الجملة الأخيرة خرجت دون إرادته فتابع كلامه بعد أن ضج الجميع، فرد عليه مازحًا:
-هل أنت عاشق يا شخينا ونحن لا نعلم ذلك ؟!
نظروا إليه وفي عيونهم تساؤل. شعر أن عليه الإجابة فقال:
-وحدوا الله يا إخوان، فأنا كما تعرفون أكره حتى ذكر النسوة، ولم أر منهن شيئًا حتى شكلهن لأنكم كما تعرفون العين تزني.
-كفى اترك درس الدين والأخلاق لمناسبة أخرى، هيا إلى الغناء .
وسعوا الحلقة حسان لشدة فرحه وضع على وسطه منديلًا عقده من الجهة اليمنى، لف لفتين ثم أعطى المنديل إلى خالد بزاوي دار دورات عدة وهو يحرك يديه مرة باتجاه الداخل ومرة إلى الخارج، على وقع الأكف أخذ يلائم حركات قدميه فكل ثلاث خطوات يعقبها هزة خصر أو خبطة قدم، ثم لف كراقصي المولوية، دخل مكانه فادي حسن و أبو الشوق رقصا بحني جذعيهما وأحيانًا حني الرأس إلى الخلف أشبه براقصة تطلب قبلة أو نقودًا.
أكتملت الحلقة وأخذت السهرة جانب الفكاهة بعد مشاركة الشيخ عباس إذ ربط الكوفية. على خصره وأخذ يراقص مرة فادي ومرة أبا الشوق، فتبين إنه ماهر باللف والدوران والهز وخفة الحركة .
رقصوا رقصة السيف. ثم أخذ يغني وهم يرددون:
يا مرحبا واهلا بالعين الكحلا
يانخلة طويلة بين الحرم والصخرة
إن كان انتِ حلوة قدامك أحلى وأحلى