فهرس الكتاب

الصفحة 1365 من 1574

وكم من الجهد صرفنا؟ وكم من الأموال دفعنا؟ كيف سنبني بيتًا آخر إذا نسفوه؟ إنهم يعيدوننا إلى البدائية، في هذه الأيام لم يعد هناك من يسكن المغاور ويتسلق الأشجار ويعيش على قطف الثمار"."

تمضي جل وقتها مفكرة تتصوره يتعذب، الدم يسيل من أنفه وأمكنة أخرى، الكرباج ترك الكدمات وبقعًا زرقاء على جسده. سنواتها التي مرت سريعة بدأت تتوقف، دموعها جريان الأردن منذ شق طريقه جنوبًا راكعًا مؤدبًا، مؤديًا صلواته وتحياته للهضاب والأودية التي تجاوره. زفراتها تلهب صدره. كانت عند تفتيشهم للبيت تقف منتصبة، واضعة يديها على خصرها، تاركة إياهم يفتشون كما يحلولهم، وعندما ينتهون ولا يجدونه تخاطبهم:

-لكم الحلاوة ولنا الصبر والعلقم إن وجد تموه، فأنا أبحث عنه .

أمه بخوفها عليه تزعجه، أول مرة ذهب إلى دمشق لم تنم طوال شهر، حتى وصلت رسالة طمأنتها. حسبت ألف حساب، قالت بينها وبين نفسها قد يكون ذهب مع سائق ابن حرام، وربما أوقفوه على الحدود، أو منعوه من المرور أو اعتقلوه، كيف يعيش؟ كيف يأكل وينام؟ من يغسل ويطبخ له؟ يهزأ زوجها من مخاوفها ويقول أنت عاطفية أكثر من اللازم !

عرف ذلك بعد عودته من دمشق حين سألته ألف سؤال، وحدثته بحكايا تفيض بالحب، وبحكايا مليئة بالأسرار، ظلت تحاوره في تلك الليلة، جالسة، لم تضطجع أو تتمدد خوفًا من مغالبة النعاس لها.

صوته في أذنها، إنه في الشارع، انطلق صراخه طالبًا من رفاقه اللحاق به، أخذوا يتبعونه وهم يتدافعون ويتراكضون في الحارات، حارات أرضها مرصوفة بحجارة سوداء، وصلوا إلى أحد أبواب القدس، وقف على الحجر الواقع إلى الزاوية اليسرى من باب حطة. نظروا فإذا بأعلى جدار السور نافذتان غير واسعتين عليهما قضبان حديدية، من هذا الباب انطلقوا إلى طريق كلها أقواس لا ترتفع عن الرأس إلا قليلًا. يشعر المارة بدنوها. هاماتهم قد تلامسها ولكنه عندما يدقق يجد ما بينه وبين أدنى قوس نصف متر على الأقل، قناطر مركبة ليسمك كل حجر الآخر. هذا التماسك لم يؤثر به الزمن. فإذا تداعى حجر وجب ترميمه قبل أن يؤثر على القنطرة، لذا فقد تمت المحافظة على الأقواس باستثناء ما خربته الزلازل ورمم بعد انتهائها. الترميم يعيد الجمال فالجسور التي ينزمنها التراب وفتات الخشب الناعم، من الصعوبة الاهتداء إلى مصدر القرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت