فهرس الكتاب

الصفحة 1374 من 1574

بعد أن أنهى عمر حديثه عن زوج الحمام الهزاز وأخبار بئر السبع ذاك السجن الذي يقع على الحدود الشمالية للنقب والمفتوح على المدن الفلسطينة وعلى تماس بالحياة المعيشة وعن سليم الدوري حاضر البديهة"المزهراني"الذي مازال يذكر كلماته يوم خاطبه قائلًا:

-إنك الفرح أيها القاسم، صدقني بأنني مسرور لأنني سجين معك، أنت مثقف ورياضي وصاحب تعامل جيد، إن للسجن طعمًا حلوًا، ومن يعرفك يعش وكأنه مع أهله.

سليم من لا يعرفه يحكم عليه بأنه لم يحزن في حياته مرة واحدة، يتمزق ولا يظهر على وجهه إلا المرح، قبض عليه وهو سائر بمظاهرة، اشترك بها وهو لا ينتسب لتنظيم، عندما سألوه عن تنظيمه أجاب بكلمة"الوطن"بعث إلى خطيبته يدعوها أن تتزوج ولا تنتظره. أجابته:

-هذا كلام شخص غير محب، أخبرني، أكره الإشفاق فإن كنت كذلك فدع الأمر لي فأنا قوية بما فيه الكفاية .

بكى دون أن يشعر أحد بدموعه.

إنه مثال لا يتكرر يروض الطيور، إذا أشار لعصفور نزل حيث يأمره. في البركس تحدثوا بأمور كثيرة، البارحة ناقشوا نشأة القصة القصيرة وعلاقتها بسقوط الاقطاع ومجيء البرجوازية والانقلاب الصناعي، وذكروا أمور لم يفهمها الجميع حول الفكرة واللغة والبيئة واللحظات العابرة، وذكروا أسماء مثل إذا إدغار آلان بو وموبسان، وقبلها تحدثوا حول السياسة والصراع الطبقي ووحدة الأضداد

والجدلية والنقد والديمقراطية.. كما شرح كيف عاش حياته وراء العصافير والفخاخ و"النقيفات"، يركض ويصفر ليدفع بالطائر إلى حتفه، إذ عندما ينقر الدودة يرتفع التراب إلى الأعلى، يعدوا ليمسكه.

مازالت ذكريات"البركسات"وسقوفها المقوسة والغرف التي هي أشبه بمهاجع والساحة الكبيرة التي تتسع للسجناء وقت الفورة. ثلاثة أشهر قضاها مع سليم الذي أمن اتصالاته مع داخل الغرف ومع خارج السجن، يبدو كلاعب سيرك وهو يغازل الطيور، يدخل العصفور من الطاقة يطيره ويداعبه بحركاته البهلوانية أو حسب صفراته التي يصدرها ويتفنن بتلحينها، فمرة يطير على شكل منحنٍ ومرات على شكل متعرج، أما عندما يصدر صفرة طويلة أو حزينة فإنها نذير بالخطر، يسلك العصفور أقرب الطريق إلى الخارج مصفقًا بجناحيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت