فهرس الكتاب
في شقته الصغيرة في باب توما، يحس براحة متناهية. أحيانًا تملك الأشياء لغة صامتة معبرة تشعره بألفتها. سريره الموضب بعناية خزانته المستندة على الجدار والكنبة الكبيرة التي طالما غفى عليها، وهو يتابع بعض البرامج المحببة إليه في تلفزيونه الصغير، كتبه الدراسية القابعة في مكانها على طاولته لم يفتحها بعد، وصور جميلة يبدو تناقضها له منتهى الانسجام.. أحصنة برية جامحة، ونسور تحلق في الفضاء، وغابات صامتة على شواطئ البحر، وثائر عظيم قضى برصاص أعداءه قي أدغال بعيدة.. إنسان بخلفية برجوازية يتمرد على نمط حياته المرفهة، يرتدي ملابسه الخشنة ويحمل بندقيته ويلجأ إلى الجبال المتوحشة، ينتقل عبر الصخور، ويفترش الأوراق الجافة يلتحف السماء أحيانًا يصبح جزءًا من حياة الغابة القاسية، معتقدًا بقدرته على تغيير العالم، ونشر الحرية والعدالة في أرجائه.. أي روح تلك التي يحملها، وأي حلم ذاك الذي قاده إلى مصيره ..؟
الصفاء الذي يشعر به هنا لا يجده في أي مكان آخر.. إحساس بالسكينة التي تبعث نوعًا من الخدر اللذيذ، يتراءى فيه الأحلام الجميلة، صورًا مشرقة لمباهج الحياة.. فتح حقيبته المركونة في الزاوية وتناول كيسًا مخمليًا ناعمًا، أفرغه على السرير أمامه.. محبسان ذهبيان لليوم الذي ينتظره، اليوم الأجمل في حياته، خاتم فضيٌ تتوسطه حجرة زرقاء غاية في الجمال والأناقة، طوق من اللؤلؤ، ومشبك للصدر رسمت عليه بعناية فائقة صورة إحدى آلهات الفراعنة تقف إلى جانب شجرة نخيل دانية قطوفها، ربما رمز صناعها المهرة في خان الخليلي إلى ديمومة الحياة.. و ألبوم صغير يحمل صورة لعاشقين يقفان وحدهما على شاطئ بحر لازوردي، تحرسهما طيور النورس البيضاء، وتحمل حكاياتهما ريح عابرة إلى أمكنة بعيدة.. شوق عميق لا يعرفه إلا من أحب مثله للقاء حبيبته .
غدًا سينهض باكرًا وينتظرها عند المحطة، قبل أن تذهب إلى الجامعة، لا يستطيع أن يحتضنها بحرارة أمام أعين الآخرين، وماذا لو فعل ..؟
ستكون قصة يتلهى بها الناس سرعان ما تنتشر، وتصل أسماع أهلها الذين سيقيمون الدنيا على رأسها، لا لن يفعل ذلك.. يكفي أن يصافحها ويلثم أناملها، فبعد أيام قليلة ستصبح خطيبته، لن يجرؤ أحد بعد أن يحوك قصصًا وهمية تلوكها ألسن فارغة لاتجد متعتها إلا في اغتياب الآخرين ..