فهرس الكتاب

الصفحة 1560 من 1574

حمل حقيبته وانسل خارجًا لم يحيّ أحدًا في طريقه واكتفى بإيماءة من رأسه ردًا على سلام أبو أحمد.. ركب سيارته وانطلق لا يعرف أين يتجه.. كيف استطاع تضليله طوال مدة طويلة وهو الذي يعتقد أن لا شاردة أو واردة تفوته..؟ لقد ارتكب معصية كبيرة بحق نفسه وحق رفاقه الآخرين، مصيبة أن لا يعرف، وإن سكت بعد أن اطلع على الكثير من جرائمه فالمصيبة أعظم.. انغلق تفكيره وتشابكت هواجسه، لن يرتاح له ضمير وسيفقد احترام نفسه و يخون مبادئه إن ترك هذا السارق طليق اليدين، وخلاص الحزب منه مهمة نبيلة، عليه أن يتصدى لها، وأي هروب منها، جبنُ وخسة لا يقبلها أي رجل شريف..

لم يفسد حسن نفسه فحسب، بل أفسد غيره أيضًا وإذا طال بقاؤه في موقعه فأي خراب سيحدثه..؟

أحيانًا يحتاج الإنسان لمزيد من الشجاعة لفعل ما لا يرغب به، وقد فعلت اللحظة فعلها وشحنته بطاقة استثنائية أزاحت عن صدره ضغطًا هائلًا وهو يضع قيادته أمام الحقائق التي اكتشفها متأخرًا ..

أي سر ذاك الذي يلاشي همومه وشجونه، كلما سار إلى جانبها أو تحدث إليها، شيء غامض يتسلل إلى أعماقه المتعبة، فينعشها ويسري في مشاعره القلقة، فيحيلها دفئًا وحنانًا وحبورًا.. لماذا يفلسف الأمور بينه وبين نفسه وهي واضحة أمامه كما يتخيلها دائمًا.. وردة شامية نضرة تملأ بعطرها جوانب المكان الذي يحظى بوجودها.. قالت له أنها تحب الشتاء ولياليه الطويلة، تفرحها لسعة البرد وزخات المطر ..

_ وأنا أيضًا أحبه ولكني متخاصم معه ..

ضحكت وسألته:

_ لماذا تخاصمه ..؟

_ لقد قلت مشاويرنا معًا على ضفاف بردى أو الجلوس معًا تحت أشجار الغوطة.. إنه جميل، ولكنه يفرض طقوسه علينا ..

رن صوت ضحكتها الذي تماهى مع لون ثغرها القرمزي:

_ ولكننا الآن نجلس في أجمل مقاهي المدينة القديمة،

وأنت يعجبك دائمًا التنباك المتآلف مع بخار الشاي الساخن ..

_ لا شك يا روحي، وجودك معي في أي مكان يصبغه بسحر لا أفلت من أسره.

_ أنت تعشق دمشق القديمة أزقتها حواريها والياسمين المتدلي على جنباتها بيوتها الطينية والخشبية وتراثها المغرق في القدم، طالما كنت تقطف لي أضاميم من زهور الياسمين مازلت أحفظها بين طيات كتبي ..

_ الياسمين يذكرني بك دومًا، لا أدري لماذا أحس أنهم غرسوه من مئات السنين وما زالوا يغرسونه من أجلك وحدك..

كانت ابتسامتها ترسم هالة جذابة على محياها:

_ أين ذهبت في خيالك..؟ هناك كثيرات مثلي واجمل مني..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت