فهرس الكتاب
لا يجد تفسيرًا لقدرته على تحمل ذلك، إلا أنها دمشق تختزل المدن العربية كلها أو هكذا يبدو الأمر إليه.. والده كان يحلم أن يتخرج من الجامعة ويعود ليتسلم منصبًا رفيعًا يفخر به، أين ذلك الحلم اليوم..؟ لقد ترك له حرية الاختيار.. ماذا لو درس في بريطانيا أو أمريكا كما رغب عمه واستعداده للتكفل بكل مصاريفه لكان وضعه مختلفًا اليوم بالتأكيد.. فيلا في عمان الغربية، وبدل السيارة اثنتين، ودخلًا وفيرًا، ومركزًا اجتماعيًا مرموقًا.. هكذا وعده يومها، ربما لأنه كان يطمح بتزويجه ابنته التي كانت طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها..هل كان مخطئًا أم مصيبًا في قراره..؟ كل ذلك لا يساوي نظرة من عيني حبيبته الدافئتين، أين يمكن أن يجد ما يشبهها، كل مائة عام فقط تحتفل دمشق بولادة أميرة مثلها.. الأقدار وحدها ساقته للقاء بها، لو امتثل لرغبة عمه وامتلك قصوره وجنائنه ومسابحه في أكثر من مدينة ومنتجع، وأرصدته المنظورة، وخسر حبيبته لخسر كل شيء ..
منذ ذلك اليوم الذي غضب فيه عمه وصرخ في وجهه مرددًا كلمة"ستندم كثيرًا"لم يعد يسأل عنه بل قيل له أنه تناسى وجوده.. أن يملك شقة صغيرة في جمعية سكنية، شيء جميل يشعره بالسعادة ما دامت ستضمه مع حبيبته.. هل هو رومانسي حالم ..! أمور كثيرة تغيرت، القيم النبيلة التي كانت سائدة تبدلت مفاهيمها، عند كثيرين استبدلوا جلودهم واستسلموا لمظاهر الحياة الاستهلاكية المزيفة، ليس مهمًا أن يقال عنك شريف ونظيف المهم أن تعرف كيف تنتهز وتجمع المال بأي طريقة.. أن ترتشي مثلًا أو تسرق من المال العام، توصف بالشطارة والذكاء، أو تبقى كما أنت يقال عنك مسكين ودرويش..
يا الله كيف انقلبت المفاهيم واعتورت القيم ؟
كان يستطيع بكل بساطة أن يغتنم الفرص الكثيرة المتاحة له ليجمع ثروة كبيرة ولكن اعتزازه بنفسه وتقديسه لكرامته حصنته من أي انزلاق في المستنقع القذر ..
قد لا يكون في جيبه الآن ما يشتري زجاجة نبيذ وعلبة سجائر للاحتفال بقدوم السنة الجديدة، ولكنه سيتسلم راتبه قبل موعده وسيحتفل أجمل احتفال مع حبيبته ..
بدت الريح أكثر عنفًا وهي تجوب الشوارع وحدها غير عابئة بأحد، مستبيحة كل شيء دون مقاومة.. لا يعرف لماذا تذكر الروايات المرعبة عن جحافل المغول الذين عبروا المدن واستباحوها وتركوها خرابًا يبابًا وكيف تصدى لهم أهل هذه المدينة مع فزعة إخوانهم الآخرين ودحروهم ببسالة منقطعة النظير ..