فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 1574

نلت الأمرين. لِمَ هذه العزلة كلها، في ذاك المكان العالي؟ من بنى الحصن في شمراخ الجبل؟ أو من بنى المعبد؟.

حقيقة، لا أدري، أهو حصن أم معبد؟ على كل حال لم يساورني أي خوف من وحشته. إيماني درع سليمان في داخلي، مطلسم ضد كل الغيلان والأشباح. غير أنني سأنحني في نفسي، لذاك الإنسان القديم كما ينحني جسمي، الآن، بهذا الصعود، الذي أكابده. لذاك الإنسان الذي بنى أوابده من حصون ومعابد وقلاع بحجارة ضخمة، ضخمة. كأنه تحالف منذ فجر الزمن مع الجبال لبنائها، بل في أعالي ذراها!.

كم كان هذا الإنسان رائعًا، فعالًا. هَمَزَ بحصان إرادته بريته المشتهاة وجمز!.

كان البناء، بحد ذاته، قديمًا جدًا، تكلّست عليه خرائب الدهور، وذكريات التاريخ السحيقة. يبدو أنه البناء الأول، في هذه البقعة الشاهقة من العالم. ظهر لي في بادئ الأمر، كبرج أثري. ثمَّ كبر هيكله واتسع، عن قرب، مثل قلعة، تحيط بها فلل متفاوتة الحجم، لتحميها. وتبقيها كصحن منيع.

وصلت، بعد جهد جهيد، ووقفت ألهث. ثمَّ عبرت السور. وتأكدت أن البناء مزيج من معبد وحصن معًا، كما يبنى الهرم. إذن هذا الهرم شيّد فوق هرم آخر، هو الجبل!.

وتقديرًا آخر، للإنسان الأول، على بنائه هذا الهرم. وكيف جلب حجارته الضخمة من أمكنة بعيدة. وأشاد بها بناء على مرتفع سامق من كتلة الجبل. حقيقة هذا الأمر بالذات، ما زال محيّرًا ويستوجب (( فكرة التجاوز ) )، في تفسيره. قالوا:

نقلت حجارته بقوة النظر... وكأن نبؤة نقل الأشياء المادية بقوة الذهن، أو الفكر تحققت في العهود القديمة قبل العهود الحديثة. المهم قبضت على وميض حلمي الهارب. وهاأنذا أقضي وقتًا داخل المكان الذي اختاره الرجل ـ موضوع مقابلتي ـ لإقامته، وكأنني داخل الأزل مكان رصّع بآثار العصور العابرة. دون جعجعة تاريخ، أو صهيل إعلام.

قال: كان معبدًا أولًا ثمَّ تحوّل إلى حصن، مع مرور الزمن. ثمَّ إلى معبد.

ذهلت. فاجأني فيما كنت أخمّنه، كشخص مروّع بالنور يقرأ ما يضمر، قبل أن تولد الكلمة على الشفتين!.

يا للشفافية، كل الأحاسيس والخواطر! التي سأخلقها في داخلي، سيعلم بها.

أوغلت عيني محملقًا. بل بحثت في زوايا وجهه، عن بقايا علم خفي، وسر مؤجل. هل وصل إلى درجة الشخص (( العارف ) )في شفافيته، ياتر...؟.

قاطعني فيما كنت أتمتمه في نفسي: صار ذاك الشخص يتلقى معرفته مباشرة. بعد أن جلس مدة عشرين عامًا تحت سلم بيته، لا يبرحه إلا لقضاء حاجة جسيمة.../ وصمت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت