فهرس الكتاب
-ذلك ما ظننت. وقد طلبت من أبيه الشيخ أن يسمح لي برؤيته والحديث إليه ففعل.
-هل تحدثت إليه؟
-حديثًا قصيرًا. قاطعني الشيخ في نهايته ليقول لي عن إصابتك. ولكن أعتقد أنني نفذت إليه.
قالت: ما مشكلته؟
وشَرَدَ الدكتور نادر مفكرًا، ثم قال ببطء وهو يبحث عن الكلمات:
-مشكلته. هل سأقول البحث عن الطريق؟ أي طريق؟ كل الطرق توصل إلى نفس الجدار الجبار الذي تصطدم به عقولنا الواهنة، وتسقط تتخبط في أوحال الخيبة.. ولكن الولد ما يزال في مرحلة المجد. مرحلة الإيمان. قال لي إنه يريد أن يعود بقومه إلى الله!
قالت، وهي تضغط على يده لتوقظه من سرحته:
-وماذا قلت له؟
-قلت له إن وحدة قومه أهم من رجعتهم إلى الله.
-وهل اقتنع؟
-أعتقد. ولكن لا أضمن أن آثار حديثي إليه ستدوم طويلًا. ضمير الولد يحترق. وعقله يركض بسرعة الضوء. لابد أن سيجد في منطقتي ثقوبًا كثيرة، ويثور مرة أخرى ليوضع في القيود من جديد لكني أعتقد أنني كسبت صديقًا وخسرت آخر.
قالت: ماذا تعني؟
قال: بينما أنا أتحدث إليه دخل علينا والده الشيخ. لا أدري كم سمع من حديثنا، ولكن وجه كان جامدًا كالصخرة حين التفتُّ إليه.
قالت: ربما كان مهتمًا بما حدث لي، وكان يفكر في الأسلوب الذي ينبغي أن يعلن به الخبر إليك...
قال: أرجو أن تكون تلك هي الحقيقة. ولكن ما يهم الآن هو أنت. كيف تشعرين؟
قالت: أحسن، أحسن كثيرًا...
وترامى إليهما من خارج الخيمة صوت الطبول مصحوبًا بالتهليل والتكبير وقراءة ورد الطريقة. ثم بدأت الحضرة، ووقف الرجال صفًا واحدًا، وبدأوا يتحركون على مهل يمينًا ويسارًا مع الألحان...ورفعت تاج رأسها تريد أن ترى ما يحدث من فتحة باب الخيمة، فقام الدكتور نادر ورفع الستار كله، ثم عاد إلى تاج فوضع بعض الوسائد وراء ظهرها لترى أحسن.
قالت: ماذا يفعلون؟ يرقصون؟
قال: ليس تمامًا. إنهم"يتحيرون"!
قالت: يتحيرون؟ وما معنى ذلك؟
قال: الحيرة نتجت عن جلسات مفكري الصوفية وحلقات مناقشتهم. كانوا يجتمعون كل مساء لدراسة التوحيد والجدل والتفلسف في وجود الله، خلوده، ووحدانيته، القضاء والاختيار، النبوة، بقية الأديان، كل شيء يتعلق بمكافحة الشك الذي كان يستشري بين طبقات المثقفين حينئذٍ. وإرجاع الطمأنينة إلى الضمائر والإيمان إلى القلوب.
قالت: ولكن كيف نتجت"الحيرة"عن جلسات معقدة المواضيع، وهي مجرد حركات تعبدية وطقوس بدائية؟