فهرس الكتاب
-لم أعنِ مجرد الحديث. ألم تلمس في أحاديث"معاذ"حرية ذاتية؟
-نعم. لقد برمجه العلماء بكل ما عرف في العالم من أفكار. وذلك أقل ما يتوقع منه...
وتكلم الدكتور هالن، لأول مرة، وزجاج نظارته يبرق في عين نادر:
-علي،"معاذ"لم يبرمج لتكون له آراء خاصة ولا فلسفة ذاتية بعيدة من قرار الأغلبية.
واسترجع الدكتور نادر حديثًا مر بينه وبين معاذ حول رأيه في قرارات لجنة المبرمجين العليا. وتذكر تعلقه بفكرة الطوفان الأزرق مع أنه رأى الأقلية. وحين استيقظ من تفكيره وجد الدكتور هالن يقول:
-ليس من برامج معاذ أن يتفلسف أو يتصرف فيما يتعلق بالقرارات العليا. الرأي الأول والأخير يجب أن يكون للجنة العليا.
وتدخل الدكتور فدراك:
-أتعرف أن"معاذًا"يمكن أن يضغط على زر واحد في هذه اللحظة وينهي الحياة البشرية على الأرض؟
وحاور نادر:
-لماذا لم يفعل؟
-لا ندري. ليس في العالم ما يمنعه إذا اقتنع تمامًا بفكرة الطوفان الأزرق!
وتكلم الدكتور فوش ويداه على رأسه:
-ربما لأنه برمج ضد ذلك من جميع الجهات فلم يجد الشجاعة الكافية لتنفيذه.
وأعاد نادر:
-الشجاعة؟!
فرد فوش:
-نعم.. كل أوصاف المخلوقات الحية. ويمكن أن أضيف الخلل العقلي والجنون!
ونظر الدكتور نادر إلى فوش نظرة استغراب وفكر:"لابد أن أخرج من هذا المارستان! لابد أن هؤلاء جميعًا في ضيافة مستشفى عقلي".
وأخرجه من تفكيره صوت الدكتور فوش وهو يقول:
-منذ سنتين اجتمعت اللجنة العليا لمناقشة ما إذا كان من الحكمة الزيادة في سلطات معاذ مثل إعطائه مفاتيح مصادر الطاقة لاستعمالها رأسًا من باطن الأرض، وإطلاق حريته في استعمال مخزون المعلومات فيه بطريقة متقاطعة، بحيث يكون له حق الخلط والمقارنة والاستنتاج دون إشراف بشري، وبرمجته بطرق إصلاح ما تعطل من آلاته، وإنتاج آلات جديدة لتوسيع وظائفه واستكمالها. هذه الأسئلة كانت تحير ما يقرب من ثلث اللجنة الأصلية المؤسسة. وفي الاجتماع أعرب عدد منهم على تخوفه من فقدان السيطرة على معاذ إذا أعطي كل هذه السلطات. واختارت الجماعة المحافظة والتدرج والتمهيل في بناء قوة معاذ بحيث تبقى سيطرتهم دائمًا عليه. ولكن أغلبية اللجنة كانت من الشباب المغامر المتحرر. وتردد شعار:"لا يمكن الوقوف في سبيل التقدم"وأعطي"معاذ"سلطات بلا حدود، فبدأ يتناسل ويتكاثر ويتمدد كالفنجس حتى أصبح بعيدًا عن فهم أي فرد وحده من اللجنة الأصلية.
وتنهد فوش ثم استأنف: