فهرس الكتاب
وعاوده حلم قديم كان يزوره منذ أعمق أيام صباه. ووجد نفسه في مدينته الصغيرة على البحر الكبير يجري بخطوات واسعة مناسبة بين الدروب الطويلة والمرصوفة بالحجارة الملساء، والبيوت البيضاء المائلة إلى الزرقة تبدو تحت أشعة الشمس كمكعبات هائلة من الجليد. ولامست سمعه أصوات البنات وهن يغنين في الدروب وهو في طريقه نحو البرج المشرف على البحر. ومن فوق البرج أطلق لنفهس العنان فسبح في الفضاء مستعملًا ذراعيه كأجنحة تحمله إلى الأفق البعيد ثم فوق الأبراج الحمراء والصوامع والقبب البيضاء..
وانتقل به الحلم إلى لندن، وأومضت في خياله صور خاطفة للشوارع والأوجه والملابس السوداء والملونة، والشعور الطويلة والمفلفلة، والسبح والمداليات والصلبان والسيقان العارية تخوض أمواجًا خفيفة من الموسيقى الجديدة مغموسة في الأضواء السيكوديللية.
ولمعت أوجه فصله وأساتذته وحفلة تكريمه والضحكات العالية على أوجه الشيوخ ولمعان نظاراتهم الذهبية، ورؤوسهم الصلعاء.
ومن خلال ذلك ظهر وجه برز من خلال الألوان البارقة والأصوات المقدرة ووقف أمامه ضخمًا كأنه مصور على شاشة عملاقة. ثم بدأ يبتعد رويدًا رويدًا في بطء سيمفوني متناسق.
ورأى نفسه في حديقة هايد بارك الغناء يطارد تاج وهي عارية إلا من شعرها الفاحم المتماوج خلفها، وهي تعدو وتتضاحك. وكلما اقترب منها وحاول الإمساك بخصرها تحولت ذراعاه إلى رغوة وانفلت الجسد العاري من بينهما. إلى أن تعبت فارتمت على العشب الأخضر تلهث مرهقة فارتمى إلى جانبها يلهت وينظر في عينيها الواسعتين. ورفع ساعده ليطوقها فاختفت من جانبه. وفتح عينيه على صوت الأستار وهي تزاح، وأشعة ضوء الأصيل تملأ المرقد بألوان ناعمة، وقد انكمش في مرقده وضم ركبتيه إلى صدره كالجنين السابح في مجاهل الغيب.
ورفع عينيه ليرى كارول واقفة إلى جانب سريره وبين يديها صينية العشاء.
نظر إلى جسدها العاجي النحيل من خلال فستانها الشفاف ثم رفع عينيه لينظر إلى وجهها الصبوح وعينيها الرماديتين فابتسمت وهي تقول:
-ستأكل شيئًا. أتذكر متى كانت آخر وجباتك؟
فحرك نادر رأسه نافيًا:
-لا أحس برغبة في الطعام.
فألحت:
-لابد أن تأكل شيئًا!
واعتدل جالسًا في السرير فوضعت الصينية المستطيلة على حجره، وسوت الوسائد وراء ظهره ثم قعدت إلى جانبه كالزوجة المدللة لزوجها تصب له الشاي وتطعمه.
والتفت إليها في عينيه سؤال فرمته بنظرة فولاذية أخرسته.