…تتشعب أزقة القرية الضيقة المتعرجة بين بيوت عتيقة، شيد بعضها من القش واللبن، وبعضها الآخر من الحجارة المقامة على غير انتظام، تكاد تتلاصق شرفاتها ونوافذها. عدد قليل منها بدا أكثر حداثة، وتلك هي منازل العائلات الثرية القليلة التي تمتلك الأراضي وبساتين البرتقال. من بين هذه المنازل دار فخمة ذات طابقين فسيحين، تملكها عائلة (الجمل) ، تقع بجوار منزلنا الصغير الذي حاولوا شراءه من والدي مرارًا دون أن يفلحوا، مع أنهم كانوا يملكون أكبر بيارات القرية، فضلًا عن أراضي شاسعة. وهم التجار الوحيدون للحمضيات فيها. حيث كانوا يتعهدون بيارات قريتنا والقرى المجاورة، بالضمان، ويستخدمون الكثير من أهلها طوال فصل الشتاء في موسم البرتقال، لقطفه وتغليفه، ثم نقله إلى مرفأ يافا، لكي يشحن، من ثم، الى مرافئ أوروبا، وقد رسمت على صناديقه العلامة التجارية التي طبقت شهرتها الآفاق:"برتقال يافا"Jaffa oranges"."
…على الرغم من كل شيء كانت (يبنا) تبدو لوحة فنية، ارتجلتها الطبيعة على غير نسق أو نظام، فصنعت من ذلك المزيج المتنافر جمالًا أخَّاذًا.
…ولئن كانت قريتنا صغيرة تكاد تنعدم فيها الخدمات العامة، لإهمال السلطات لها - ولم يكن ذلك استثناء لها على أية حال - إلا أن الحياة فيها لم تكن على قدر كبير من السوء، فهي ذات مناخ جميل، وطقس معتدل ومناظر طبيعية خلاَّبة. كما أنها تتمتع، بسبب موقعها، بعدد من المزايا التي لا يستهان بها، إذ يمر عبر أطرافها الشرقية خط السكة الحديدية القادم من محطة اللد شمالًا، والمتجه جنوبًا نحو غزة ورفح، ثم العريش فالقنطرة في الأراضي المصرية. وتقوم على جانبيه أشجار الكينا الباسقة، ملقية بظلالها الوارفة على امتداده، باعثة مع تماوج الرياح، أنسامًا عليلة يتفيؤها المارة من فلاحين وعمال، في غدوِّهم ورواحهم. كما يمتد عبر الأطراف الغربية للقرية طريق عريض معبد يتجه شمالًا إلى يافا، مارًا بقرى عربية عديدة، غرست بينها بعض المستعمرات اليهودية، بمعرفة حكومة الانتداب البريطاني وحمايتها. وبمحاذاة هذا الطريق، غربًا، تقع الساحة الرئيسية للقرية والتي تقام فيها، عادة، سوق الثلاثاء الشهيرة، التي يؤمها العديد من أهالي القرى المجاورة، حيث تتوافر فيها كل الأشياء، بدءًا من الخضار والفواكه، حتى الدواب والدواجن والغلال.