فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 1574

…لم يكن الراديو شيئًا مألوفًا بعد في تلك الأيام. لم يكن في القرية كلها سوى عدد منها لا يبلغ أصابع اليد الواحدة، يملكها سراة القوم، وفي طليعتهم المختار، وقد كان هذا خالًا لأمي. كان الناس يحارون في تفسير تلك الظاهرة العجيبة. حسب بعضهم أن ذلك الجهاز يحتوي رجلًا بداخله يصدح بالغناء، وهو نفسه يتلو القرآن، ويأتيهم بأنباء المشرق والمغرب أيضًا، واخبار الأولين والأخرين. كل أولئك وهو قاعد في مكانه لا يريم. إذن هذه احدى علامات الساعة واقتراب يوم القيامة بلا ريب ..!

…عزز هذا اليقين، حجم الجهاز الذي كان يقارب المتر مربعًا أو مكعبًا على أقل تقدير، مما يتيح للرجل الجلوس داخله في راحة تامة...!

…في أمسيات الصيف، كنا نمضي سهرتنا في تلك الشرفة، أبواي، وأخواي، الأكبر والأصغر سعيد وأحمد. وكانت أمسياتنا أكثر ما تكون بهجة، وجمالًا أيام الانتصاف من الشهر القمري، حين يطل البدر قرصًا مستديرًا ناصعًا من وراء الأفق، نرقبه فيما هو يمضي صعدًا نحو قبة السماء، مضفيًا على الكون والأشياء نورًا وبهاء، يغمر نفوسنا بالطمأنينة والسلام. ثم لا نلبث أن نعمد إلى اختراع الحكايا، وترديد ما يختلقه أو يرويه الوالدان من أساطير عنه، فيما تتناهى إلى أسماعنا أغنية من بعيد. وتبلغ سعادة أمي أوجها إذا كانت (أم كلثوم) تردد أغيتها الأثيرة لديها:

….... على بلدي المحبوب وديني ... زاد وجدي والبعد كاويني.

…تتجاوب أصداؤها في كل الأرجاء برنينها الساحر، تثير الشجن والحنين إلى شيء غامض مجهول.

…كان أبي سيد البيت المطاع. كلمته نافذة، ورأيه لا يناقش. شأنه في ذلك شأن سائر الرجال. وكانت أمي، بدورها، كغالبية النساء الريفيات، تجلُّ أبي وتوقره. لا تجادله في أمر، ولا ترد له مطلبًا، إيمانًا منها بالحكمة المأثورة القائلة بأن الزوج هو"الرب الأصغر"وأن غضبه"من غضب الخالق"جلَّ شأنه.

…ولم يغير من هذا الوضع عشرتهما الطويلة الأمد تحت سقف واحد. فهي لم تكن تجد في نفسها الشجاعة الكافية لمفاتحته في شأن من الشؤون العامة أو الخاصة، دون أن تقدم لذلك بشيء من التسويغ او الاعتذار المسبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت