أبدى العم عبد الغني عجبه من غدر الزمان، وإن هذه الدنيا لاتصفو لأحد أبدًا. ففي هذا الوقت بالذات أو في هذا العام تحديدًا غزرت الأمطار، وفاضت الأودية، وتدفقت الأنهار، والمواسم خصبة على نحو لم يعهد من قبل. وأن الخير سوف يكون هذا العام وفيرًا وعميمًا .وها نحن لا ندري ماذا تخبىء لنا الأيام القادمة.
صمت الرجل. لم ينبس أبو صافية بكلمة. لبثا مطرقين زمنًا، يرمقان الجمر المتقد والعم أبو صافية ينقلها بملقاط في يده، بتؤده وأناة، كأنه يرسم لوحة، أو يرصف حجارة بناء، ومع تموجات الريح يتناهى إلينا صوت الشيخ محمد رفعت يتلو آيات من القرآن الكريم تضفي على الجلسة حزنًا يسري في النفس وخشوعًا. والرعد يقصف في أعقاب وميض البرق المتتابع في الأفق، والغيوم الداكنة الكثيفة تحجب عنا صفحة السماء.
…أما وقد دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين في الموعد المضروب لدخولها، الخامس عشر من أيار، فقد اطمأنت القلوب الوجلة، وهجعت النفوس المضطربة. أقام الناس الأفراح، وطيَّروا الهتافات، فهاهم أولاء اخوتهم يقتحمون البلاد من كافة جهاتها، ولن تتحقق لليهود أحلامهم المريضة. أيام قليلة ويستتب الأمر للقوات الزاحفة، إذ لاقبل للعصابات اليهودية - بطبيعة الحال - بمواجهة هذه القوات المؤلفة من جيوش سبع دول عربية. بل إن مشروع التقسيم سوف يصبح في خبر كان، و (أثرًا بعد عين) كما يقول الشيخ محمد ابو العينين مباهيًا، في جمع غفير من الناس.. !
…انقضت أيام، ولا شغل لهم سوى الالتصاق بأجهزة الراديو، في المقاهي والمضافات، وفي منازل (السعداء) ممن يملكونه من أهل القرية. أخبار القوات المصرية والسودانية تجذب انتباههم بصورة خاصة لأن قريتهم وهذه المنطقة ميدان عملياتهم. من ثم راحوا يتابعون أخبار الجبهة الجنوبية باهتمام أكبر وتركيز أشد. في الأيام الثلاثة الأولى استطاعت تلك القوات أن تبلغ مدينة غزة، ثم المجدل. تريثت هناك لأن المستعمرات على التلال المشرفة على الطريق شمالًا كانت تقصف القوات الزاحفة، فكان عليها إذن تصفيتها أولًا بغية تأمين الطريق. وعندما أُسِكتَتْ نيران المستعمرات في غضون أيام قليلة، تابعت القوات زحفها حتى وصلت قرية أسدود، انطلق الناس يهنىء بعضهم بعضًا. يتعانقون في الطرقات والساحات العامة والمقاهي والدكاكين ... موجة من الفرح الغامر عصفت بهم. هم يعيشون الآن حقيقة الحلم الذي راود عقولهم في صحوهم ومنامهم في الحقبة الأخيرة .