…أمضي بعيدًا.. بعيدًا إلى الماضي السحيق.. يلوح لي وجه أبي مشرق المحيا.. ممسكًا بيدي. وقبل أن نجتاز الطريق إلى طرفه الآخر. تنطلق رصاصات غادرة هوجاء. يتداعى.. يترنح.. يسقط مضرجًا بدمائه. أنكبّ على صدره باكيًا، ضارعًا، مستجديًا أن يبقى.. أن يعود.. جرس المدرسة يدق من بعيد، رتيبًا حزينًا.. والمرئيات ضباب رقيق.. ولكن.. ولكن هاهو ذا يعود.. إنه هناك على الضفة الأخرى للنهر. أشجار خضراء باسقة، تطاول السماء ارتفاعًا.. ظلالها مفروشة بلا نهاية فوق أرض حمراء كالحنَّاء. نحن، جموع الناس هنا على الجانب الآخر، يفصل النهر العظيم بيننا بأمواجه المتدفقة.. حمراء اللون.. عجيبة هذه المياه بلونها القاني. عواصف هوجاء توشك أن تقتلعنا من فوق الأرض.. أعاصير عاتية تمزق الستائر وتطيح بالشرفات.. تحطم النوافذ والأبواب.. تقصف الأشجار وتبعثر الورود والأزهار.. تتطاير أوراقها في شتى الأنحاء فتحجب وجه الشمس، ويحل من بعد الظلام. أمطار قانية اللون تنهمر في غزارة وسخاء، لم يعهد مثلها من قبل، تحيل الأرض إلى بحيرات. وحوش كاسرة تنقض مشهرة أنيابها على حملان بيضاء وديعة. تحمل على ظهورها أطفالًا يرسلون ضحكات جذلى يتجاوب صداها مابين الأرض والسماء. أبي مابرح قائمًا هناك على الضفة الأخرى من النهر. شاخصة أبصارنا إليه. تظلل وجهه سحابة حزن، ويطلُّ من عينيه أسى وغيظ كظيم. ألوّح له بيدي مناشدًا إياه أن يمدّ لنا جسرًا نعبره اليه. ولكنه يشير بيده إليّ وللأخرين وقد امتدت سبّابته نحونا، حتى أوشكت أن تلج في أحداق عيوننا وهو يقول بصوت ضخم هادر:
…"ابقوا حيث أنتم. لاتبرحوا دياركم، فذلك خير لكم ولأجيالكم القادمة. لقد صمدتم أحقابًا وأحقابًا على مرّ الزمن فما بالكم اليوم تتخاذلون.. إن تصبروا فالنصر آتٍ لامحالة. أفلا تصبرون وأنتم الأعلوْن؟ أناشدكم ألاَّ تبرحوا أرضكم الغالية تحت أي ظروف. إن لم تفعلوا فأمامكم يا أحبتي أهوال وأهوال، مما تعلمون ومما لاتعلمون، ومما لايخطر لكم على بال. لعلكم الآن لاتقدِّرون قيمة الأرض التي تربضون فوقها حق قدرها، ذلك أنها في متناولكم وتحت أقدامكم ثابتة لاتميد، بيد أنكم ستعرفون معنى ذلك في قادم الأيام اذا ما قدّر لكم أن تفقدوها وإني لأرى ذلك رأي العين. وما أنا إلا ناصح لكم وأمين ."