فهرس الكتاب

الصفحة 711 من 1574

ـ ياعبد، ما أعلمك إلا ماعلمني الله، فكن شفافًا، ولاتكن مسيئًا، ولاتظن بأنك منقاد معي إلى سوء، بل إلى خير تعلمه آباؤك فكانوا من الفائزين، فدعني أسمو بروحك، وأنقذك من فساد الأرض.

هدأ زاعم وارتاحت نفسه، كان يستمع إلى كلام الشيخ، وعيناه معلقتان بعينيه الهادئتين اللتين تنمان عن محبة وصدق. ثم سحبه إلى زاوية الغرفة، وحمل جرة ماء، وقال له:

ـ اشرب، هذا ماء جلبته بالأمس من بئر زمزم.

تناول زاعم الجرة، وتذكر جدته، كانت تقول له دائمًا: الله يحفظك، فتشرب من ماء زمزم، إنها ماء نبينا إبراهيم وابنه اسماعيل، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام، حينما كنا في مكة أنا وجدك رحمه الله، كنا نشرب من زمزم، فتقوى أبداننا وتسعد نفوسنا.

شرب زاعم من الماء، وعلى الرغم من الملوحة، إلا أنه لم يبد أية حركة تنم عن استيائه، أخذ أخو زهيّة الجرة منه، وأعادها إلى مكانها، ثم أجلسه، فعمّ ظلام دامس، جعل فرائص زاعم ترتعد ويهتز كيانه الطفل.

وضع أخو زهيّة كفيه على رأس زاعم، وصار يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الفلق من شر ماخلق، قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس. ثم قال:

ـ ياقاهر، هذا عبدك، أسلمك مفاتيح نفسه، اشفع عثراته واعف عن هفواته، يا مطلق، هذا عبدك، زلزل مايخلف الناس في عقله الغض، فما هو إلا نبتة مفتحة زرعتها يداك في أرض لم تكن قاحلة، ولن تكون، يارحمن، نحن عبادك تجلت أسرارك في البحر وفينا لكن أعمالنا عشقنا للقشور عن رؤية حسنك. يامنان، نحن عبادك، أسكرنا من خمر جمالك وباركنا بالخضوع لك. يارحيم، نحن عبادك، أرواحنا النقية لم يدنسها الفجور، ولكن أغوتنا الدنيا فتهنا.

صار الشيخ يرتعش، وابتدأ بكاؤه يتسرب من بين كلماته. أبيض وجهه، وسال عرق بارد من جبينه، تجمد زاعم في مكانه، تتوغل إلى صدره سحابة هدوء مطمئنة.

ارتفع صوت الشيخ يقرأ سورة التوبة، وبعد أن فرغ من تلاوتها أنهض الطفل وقال له:

ـ ياعبد، وأما البركة التي أمنحك إياها بجلوسك معي واستماعك لكلامي فإنها منحة من ربك لك فتعلم واحفظ يكن لك هذا الكلام ضوءك ودليلك في حياتك.

دخلت أشعة الشمس الغرفة المظلمة، فانارتها، وبعثت الدفء في أركانها.

نادى أخو زهيّة عاصمًا، وهو يدور حول زاعم، فلم تنقض بضع لحظات حتى دخل عاصم الغرفة، فأمسك زاعمًا الخائف من يده وقبل كف الشيخ، ثم خرج ساحبًا ولده.

الحركة الثالثة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت