فهرس الكتاب

الصفحة 728 من 1574

قال المذياع: استمر القصف الجوي طيلة الليل الفائت، ويقدر الخبراء أعداد الشهداء بالمئات، وأما الجرحى فقد ملأت المستشفيات أجسادهم، إنهم يقتلون الإنسانية، وسنرد كيدهم إلى نحورهم.

وعاد ذلك الصوت الدافئ الذي يشبه أصوات الملائكة ينساب كنهر صغير تلامس قطرات مائه الصافي رمال قلب زاعم المحترقة، فتعيد إليه توازنه، وتجعل من هيجانه حالة كانت، ولم يبق من أثرها سوى دماء تشكل دائرة على أرض الغرفة.

جلس على الأرض، وصار يضمخ يديه بدمائه، ويمسحها بزجاج النافذة المطلة على الشارع، وقالت جدته وهي تمسك رأسه وتحاول ايقاف نزيف الدم الشديد:

-العين، أصابوك بالعين، لا يصلّون على النبي حين تمر، لعنهم الله، ووضع النار في عيونهم.

رفع رأسه إلى الأعلى ونظر إلى عيني جدته الدامعتين وصار يردد كلامًا لامفهومًا، ثم أمسك يدها ونهض، وقال وهو يسير معها إلى خارج الغرفة:

الحرب ياجدتي، قال الشيخ إنها تأكل الأخضر واليابس.

ثم خرجا من الغرفة، وسارا عبر باحة الدار حتى وصلا إلى غرفة جدته، وهناك استلقى، وغطّ في نوم عميق تخلله صوت مذياع يعلن نهاية الحرب، وصوت مذياع آخر ينبعث منه نشيج أخو زهيّة.

حين استيقظ من نومه أيقظ جدته وطلب منها أن ترافقه إلى غرفته، نهضت الحاجة صبرية وتبعتها العمة العانس وحين دخلوا الغرفة لم يجدوا أثرًا لبركة الدم، وإنما وجدوا بعض سنابل القمح المحترقة تغطي جثة عصفور مرَّعلى موته أيام. دهشت الحاجة صبرية والعمة العانس، أما زاعم فأنه سار ببطء، فحمل جثة العصفور ووضعها على حافة النافذة فجاء عصفور جميل وحمل العصفور الميت وطار عاليًا، حين التفت زاعم إلى الوراء رأى سنابل القمح المحترفة تطير في فضاء الغرفة، وتندفع واحدة بعد الأخرى من النافذة، وكانت كل سنبلة منهن تقطر دمًا أثناء طيرانها، لكن قطرات الدم لم تكن تكاد أن تصل إلى الأرض حتى تتحول إلى حجارة صغيرة، جمع زاعم الحجارة ووضعها في جيبه، ثم قال:

ـ انظروا القمح والطيور رحلوا، ستكسو وجه الأرض الحجارة، وعلينا أن نغادرها لنصير طيورًا أو ضفادع أو أي شيء.

أنا سأرحل قاطعًا المحيطات، باحثًا عن أرض لايقتتل أهلها. اندفع صوت المذياع: وكان على الأطفال أن يختفوا في جحورهم لكنهم خرجوا، فأصابتهم القذائف، ومزقتهم.

الحركة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت