فهرس الكتاب

الصفحة 731 من 1574

ـ أمثل أمامي، أيها الروح الحائر، أنقلك خارج هذه الأرض لاتكن إلا ما أرادك، فإنني كائن ماأراد، قدّامك تزهر معرفتي، تخضّر أشجارها الغضّة، وما أنا سوى أنت، فامثل أمامي، أبارك كل نقلة قدم تنقلها.

انهضه واجلسه أمامه، لم يفتح زاعم عينيه، كان مغيبًا تمامًا، مأخوذًا بحالة سكر غريبة، يدور رأسه مع كل كلمة تنطق بها شفتا الشيخ الجافتان.

استمر الحديث ينقله إلى أماكن جديدة، ساعات مرت سريعة، زار خلالها بلادًا وعرف أشخاصًا، وحين خرج من غيابه إلى حضوره، غادر غرفة الشيخ، وحكى للناس عما رآه، قال: ـ وهناك كنت أمر بالناس، وأحكي لهم عنكم، وعن مدينتنا لقد أمضيت أيامًا في مدينة كبيرة يلاحقني رجال شرطتها، لأنهم حسبونني فارًّا منهم، التجأت إلى بيت علم وأدب، فتعلمت الحساب، وقرأت من الشعر الكثير.

قال شجاع السالم:

ـ يازاعم، البارحة رأيناك في الجامع، فكيف غبت وسافرت، وأنت لم تغادر البوكمال؟.

تابع زاعم كلامه وكأنه لم يسمع:

ـ قررت أن أستقر، لكن أخو زهيّة طلب مني الرجوع، فركبت سفينتي وعدت إليكم.

قاطعه مجيد العلي الذي يدرس التاريخ في جامعة حلب:

ـ ماتقوله دجل، وكذب، أنت تحلم.

كانت أذناه مغلقتين، لاتصغيان، حديثه لم يتوقف، كان يقص على المجتمعين قصصه المثيرة، في كلامه سحر غريب جعل الجميع لا يفارقونه، يتكلم بلغة مهذبة جميلة، تدفع المتحلقين حوله للبقاء والاستماع، حتى ناصر بن زهري الحايج الذي عرف في البلد بأنه لايحب الكلام والمتكلمين، والذي حارب أخو زهيّة واعتبره دجالًا وحاول كثيرًا أن يؤلب الناس عليه، لكن الناس نفروا منه وقاطعوه واضطر أبوه مرات عديدة للاعتذار من اخو زهيّة ومن الناس مدعيًا أن ولده فقد عقله.

حين نهض زاعم من مجلسه، رأى الذين كانوا حوله غمامة سوداء تتبعه، فتحجبه عن الأنظار.

قال شجاع وهو يشعل سيجارة:

ـ ياجماعة، زاعم لايكذب، ربما يكون وقته لايشبه وقتنا، وأنتم كلكم تعرفونه، انه مؤمن يصلي ويعبد ربه.

قال تمام الشريف:

ـ والله صحيح، قال لي أبي يجب أن أصير مثل زاعم ليرضى عني، ضحك مجيد، وهز كتفيه، تفرق الجميع إلا ناصر فقد بقي جالسًا في مكانه تحت شجرة التين العتيقة، يفكر ويعيد على نفسه سؤالًا متكررًا: ربما، ألا يمكن أن يكون زاعم امتدادًا لهذا الشيخ العجيب الذي لايعرف أحد من أين جاء أو متى؟.

الحركة الرابعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت