فهرس الكتاب

الصفحة 746 من 1574

في ساعة توقف فيها البحر عن المد والجزر، وليس في الغابات طير يغني، لا يسمع للنهر خرير، لقد توقف الكون عن النمو تلك الساعة الرهيبة من الزمان، لقد ضاعت أنفاسه عبر الأثير، تلك الأنفاس المضمخة بعبير الضفاف والأودية البعيدة، لقد طالما بثها لفينوس عبر تلك القصبة السماوية، وذلك الناي المغرد، الناي الذي لخص في أنَّاته أشواق الشباب وحزن المشيب..

ومضى الراوي يقص علينا ونحن ننصت خاشعين، لقد كان يتحدث بيننا، نحن جلوس، لكن صوته في الواقع كان يأتينا من مكان بعيد من فراغات هذا الكون.

قال:... لقد كان شابًا غريبًا، يجوب ذاك الأرخبيل كلما أتى المساء،وكان وهو يدفع تلك العربة الصغيرة التي يبيع عليها الأمشاط والمرايا، لا يبدو عليه التعب ولكنه الحزن النبيل، حزن الشعراء، وذوي النفوس الكبيرة، كان على الدروب يرمي بثقل جسده الضعيف على العربة الصغيرة التي يدفعها فتبدو وكأنها هي التي تقوده إلى حيث تشاء وكان إذا نودي من تلك الشرفات العالية، توقف برهة ورفع بصره إلى السماء وحلق به في الآفاق كأنه يبحث عن وديعة في قبة الكون وكأن الصوت يأتيه من مكان ما من هذه القبة حتى إذا ما انتفض الصوت في طيف مليحةٍ تتسربل في حياء أنوثتها، باعها مالديه من بضاعة الزينة بلا اكتراث ثم مضى على الدروب.

كان ذلك شأنه، يوزع على الغيد المليحات تلك الأمشاط وهاتيك المرايا، بثمن وبدون ثمن، كان لا يسأل ولا يجادل في ثمن، إن أُعطِي أخذ بلا اكتراث وإلا فأعطى ومضى، لله ما أكثر المليحات في ذاك الأرخبيل، لكن مليحة واحدة ظل يحملها حزنًا جميلًا بين الحنايا والضلوع، فكان إذا ماوقف تحت شرفتها وتطلع بعينيه السماويتين إلى ذلك المكمن الصغير الذي يشبه الهلال، تلك الأرجوحة الجميلة الناعمة المعلقة في فضاء القلعة حيث أطلَّت حبيبته أول مرة ورآها، في مساء كذلك المساء ومكان هو ذاك المكان، لقد رأى أول مارأى تلك الستائر الوردية الحالمة، كانت متدلية ومعقودة على جانبي الشرفة، لقد بدت لعينيه هذه الشرفة في ذاك المساء أرجوحة من أراجيح الجنة لا تمت بصلة إلى تلك القلعة المحضة التي تشمخ بقسوتها في فضاء الإنسانية..

وأطلت فينوس... كانت كائنًا عذبًا عذوبة صوت نايٍ متقطع يأتي من آخر الدنيا وأقاصي الكون. لقد كانت طيفًا حالمًا كحقل من البنفسج والياسمين يفيق إثر يوم ماطر، ولفينوس جسد شفاف يعانق شفافية أرديتها عناق محموم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت