فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 1574

لكنني وأنا الملاح اليتيم... خرجتُ إليه تحت وابل البرد والمطر، فحبستُ أنفاسي، وتلوت أورادي، وتقدمت أمشي إليه. بخطىً واثقة..

قاتلته يا سيدتي بغرفةٍ من دمائي التي أخُطُّكِ بها الآن، فاستسلم من خشية الدماء المتكلمة، فقبضتُ عليه وحبسته في قارورة المداد.

مظلمةٌ هي النفس، ومظلمٌ هذا الحديث.

فأي الإناث أنتِ يا سيدتي حتى آتيك هذا النشيد، فإنه ليس كمثل الأناشيد التي قرأتِ ولا كالأحاديث التي سمعت.

إنها قصة قلبٍ سحرته قرمزية الشفق، وألوان المغيب التي تدعو للسفر فمضى حالمًا ومبهورًا يطلب آفاق الأرجوان.

ذلكم قلبي أنا يا مليكة القلوب الحالمة، قلبي الذي أضر به عقم السنين ويباس المحيط والبحر، فترجل عن أفراسه مكسورًا يلهث من قفر الحياة ويتعقب السراب دارًا إثر دار، عفرته البوادي ودفنته الرمال، مشى على كل الدروب القاحلة، ونام على كل الأرصفة، داسته أقدام العابرين ونهشته ذئاب الجبل، حملته أسراب الغمام وحملته أسراب الحمام، وتلوى في دهاليز السفن المسافرة وأذناب الجِمال.

فأيُّ امرأةٍ أنتِ لكي أدعوكِ لصحبتي في آخر الليل، وآخر الهذيان، وآخر الحلم.

ألأنَّ عناق الليل تباركه النجوم.

وعطر الأُنثى المهذَّبة يطرد الأشباح.

والوسائد العطشى على السرير تتفتح كالورود لضم امرأةٍ عابرة ورئة السحاب التي ترشح مطرًا وثلجًا تصوغ حكاية الدفء الوليد.

وفحيح الرياح في أقصى الحقول يدعو لعناق امرأةٍ مجهولة...

من آخر الليل إلى أول الصباح، ومن أول الصباح إلى آخر الليل.

في صهيل الليل المتوجع المحموم، وتحت حوافر المطر والبرد الشديد أرقد مرميًا كجثة قرصان ممجوج في مغارة الأشباح والأرواح التي لا تنام مطمئنَّة، لكم سمعتُ صوتكِ الهامس المتضرع وهو يأتيني كصدى حلمٍ قديم أو أغنية بعيدة من ضفة الحياة الأخرى حيث الإناث والطعام والشراب علب السجائر وعلب النوم.

وأنا الغريب المُلقى على وجهه في كهف الظلام، يليق بتعاستي التصور والحلم وخليقٌ بمثلي التوهم والجنون.

وإذن... فهلوسة مداركي تقول لي، أن لك صوتًا مشبَّعًا بالأنوثة حتى النزيف والألم، وحتى البكاء والنشيج.

وحكت مداركي تقول....

لم يكن عطرًا باريسيًا ذاك الذي يضوع منك كلما أتى المساء كلا ولم يكن بخورًا شرقيًا تسكنه الأساطير.

ولكنه النداء يا سيدة النداء...

هذا النداء القديم الجديد..

صلوات أمٍ تفرق بنوها في شعاب الحياة.

دعوات شيخ بتول في مغارةٍ مهجورة.

عينا صبيةٍ أشرقتا بدمعٍ هتون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت