هذا لن يحدث أبدًا. قولي أنت، -ووجهت كلامها إلى الأم:
-ماذا قدمت لك العشيرة حين كنت تجوعين، وحين سافر قاسم، وحين وحين؟!
فردت الأم بعصبية:
-أنت جننت. كنت أظن أن الجامعة ستزيدك عقلًا وفهمًا لكنها وكما ظهر أنستك القيم والأخلاق.
-هذه قيم متخلفة ويشرفني أن أنساها.
لم تكن للكلمات التي تستعملها شماء في حديثها وجود في قاموس الأم، لكنها فهمت من مجمل الحديث أن ابنتها ونتيجة التعليم قد أصبحت على قدر من الجرأة قد يلحق بها العار. فلطمت وجهها بيدها وهي تقول:
-لو كنت أعلم بأن هذا سيحدث لزوجناك بعد المدرسة مباشرة.
نظرت إليها شماء والدموع تترقرق في عينيها ثم أخفت وجهها وراحت تبكي.
تدخلت عائشة:
-اهدئي يا شماء، فلن يجبرك أحد على الزواج من شخص لا تريدينه.
واكتفت بذلك، فلم يكن لديها شيء آخر تقوله وقتذاك.
بعد عدة أيام تقدم لخطبة شماء أحد أبناء عمها.
جاء بصحبة أبيه والعم إبراهيم. وحين دخل قاسم ليستشيرها رفضت شماء بإصرار. فخرج. ثم أتى العم إبراهيم بنفسه كي يقنعها وقال:
-تعلمين يا شماء أنني أعتبرك بنتًا لي، ومستقبلك يهمني مثلما يهم الأب مستقبل ابنته. وابن عمك شاب جيد ومتعلم ويريدك. وأنا واثق بأنك ستعيشين معه حياة هادئة وطيبة، وستكونين على مقربة من أمك وإخواتك فلا تتسرعي بالرفض.
فردت شماء محاولة أن تخفي حنقها:
-وأنا أيضًا أكن لك الاحترام والمودة يا عمي. لكنني -وترددت- عدلت عن فكرة الزواج كلها.
فضحك العم وقال:
-هذا ليس صحيحًا. على كل حال فكري بالأمر واعتبريه طلبًا خاصًا لي عندك.
وخرج.
وبقيت شماء متوترة تتحاشى الحديث مع الأم التي بدا واضحًا ميلها إلى موقف العم.
سارعت عائشة إلى بيت أهلها حين علمت بالأمر. وما أن دخلت حتى راحت الأم تحدثها مستغلة الفرصة كي تسمع شماء رأيها:
-حضر العم إبراهيم بنفسه خاطبًا، وهو رجل حكيم ذو هيبة، يشهد له بذلك كل من في القرية. ورأيه يجب أن يكون فوق كل رأي. خاصة وأن ما قاله عين العقل، فابن عمها شاب متعلم وطيب وإذا تزوجته فستبقى قريبة منا، ثم إنه من ثوبها -وقصدت من مستواها- فهو يعرفنا ويعرف أي ظروف نعيش. ولن يجرؤ في يوم من الأيام أن يذلها بكلمة أو يسيء إليها كالغريب فأهلها في النهاية أهله. اشرحي لها يا عائشة فهي تأخذ برأيك.
فأسرعت عائشة بإجابة جاهزة: