ـ كما تشائين أنا آسف على ما يبدو أنت حقًا تحتاجين إلى تمديد الإجازة مع السلامة رولى.
ـ مع السلامة.
أعدت السماعة بعصبيّة.. ترى كيف أهرب؟! هل أغيّر كل هذا البلد لأرتاح؟! وأين أذهب؟! هل أعود للبحث عن عائلة لي في تلك القرية التي أقفلنا عليها حتى الذاكرة؟! ومن سيتعرّف عليّ؟! وهل سأقبل تلك البيئة التي سيغمى عليها لو شمّت رائحة العطر المنبعثة من شال على كتفي؟!! أم سيغمى عليّ لو شممت رائحة الأرض التي اختلط بها روث الحيوانات فأخصبتْ رغمًا عنها وإلا فعقابها روثٌ أكثر؟! ولماذا لم أكوّن لي صداقات يا ترى؟! لماذا أتسألين؟! كيف كانت أمك تضعك في صندوق من العاج وتضعك على الرف الزجاجي كي لا تعبر أسماعك كلمة نابية أو خبر فاضح، ثم أكمل والدك المهمّة فلا يسمح للتلفاز حتى بالعمل إلا بعد رقابة قانونيّة عليه وكأنه الشرطي الذي لا يسمح للغريب بالعبور إلا بجواز سفر. ثم انتبهت كيف أحادث نفسي بصيغة المفرد. وقبل ذلك كنت أتحدث مع ميس بصيغة المثنى. أفكار عصفت بدماغي فقررت أن أرتدي ثيابي وأذهب إلى شاطئ البحر.
اشتريت طعامًا جاهزًا وشرابًا مثلجًا كان الوقت بعد العصر والشمس رائعة في طريق ذهابها إلى الغروب. فوجئتُ أن الشاطئ مكتظ بأناس يمرحون ويلعبون ويعرّضون أجسادهم لجرأة الأبصار، ولجرأة أشعة تترك مكان قبلتها احمرارًا رائعًا. كانت النسمات تداعبني بلطف. جلستُ على طاولة نائية أنظر إلى أمواج تسرّح الشاطئ بكل نعومة، فيبدو مثل صدر عاشق مفتوح لكل الاحتمالات. كانت الأقدام العابرة تترك أثرها على صدر رحب فتغوص داخله حتى يغطيّها الرمل، وتنسحب للخطوة التالية وكانت الأمواج تهزأ دائمًا من كل عابر. سيتعب الكون ولن تتعب تلك الأمواج ولن تترك أثرًا لعابر على شطها!!
على بعد عائلتين. جلس شاب جلستي ذاتها وعلى وجهه تجاعيد هَمٍّ. كان ينفث دخان سجائره كمن يرمي بكتلة أيام ثقيلة عن صدره. نعم شعرت به. لا يشعر بالأسى إلا من ذاقه. أتراه مثلي فقد أسرته أمْ ماله أم؟!! أجابني على أسئلتي حضور فتاة شقراء ترتدي ثوبًا أزرق يكشف عن مفاتنها. فما كان منه إلا أن قفز والفرح يتوّج حركاته.. تخاصرًا ومضيًا إلى الغياب. كلُّ ما حولي يعرف وجهته ويملك وسيلة الوصول إليها إلا أنا ما أقسى الضياع!!. ما أصعب الشلل!!