فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 1574

وجوه كثيرة وجنسيّات غريبة تذهلني في المطار.. نداء المضيفة على الرحلة رقم (751) الذاهبة من بيروت إلى دبي جعلني أكثر تحفزًا ومراقبة. حملت حقيبة اليد بعد أن وزنت حقائبي. ممرات لا تنتهي وتفتيش يدهشني. أكلُّ هذا ونحن في رحلة من بلد عربي إلى آخر شقيق؟! كيف سيكون التفتيش لو أننا دخلنا بلاد (؟!) ومع ذلك أشعر بالراحة فذلك يدعو للشعور بالأمن بعد كل الخوف الذي أقلقني.

استقبلتني مضيفة غاية في اللطف. لتوصلني إلى مقعدٍ محجوز لبطاقتي. هدأتُ واسترخيتُ حتى شبع بطن الطائرة بوجبة مختلفة الأصناف فاستعدت للتحليق. ليس أروع من مشهد صعود الطائرة سوى مشهد هبوطها. في تلك اللحظة ينتابك شعور بالرهبة ممزوج مع لذّة المغامرة، وأنت تبتعد عن كرة كنت منذ قليل ذرّة على أرضها. وينتابك أيضًا شعور بالزّهوِ وأنت ترتقي كل عالٍ على سطح الأرض. تحاول ضبط أعصابك، وإيهام نفسك أنك لست خائفًا، فأنت تستحق هذه المكانة. وعند أي مطب هوائي تهبط إلى حد الالتصاق بنفسك لتعمل حواسك بآليّة أجهزتها. وأنا في تلك اللحظة اهتزّتْ الطائرة قليلًا بفعل ذاك المطب الهوائي فارتجفت كلّ أوصالي، وشددت مسند الكرسي بكلتا يدي ثم ضحكت من تقاطع الحقائق مع هذيان الأفكار. شعرتُ أنني جزء من جسد واحد مع ركّاب الطائرة. ذات النظرة في العيون وذات البسمة البلهاء المرسومة على الوجوه.

أغمضتُ عينيّ واسترخيت.. لو أنّ فؤادًاَ لم يهرب، لكنتُ طلبت منه السفر معي. أظن أن السفر ممتعٌ، فهو يحبّ تأمّل هذه المشاهد، يحب المغامرة أيضًا، ويبدو أن النوم غلبني بعد تلك الوجبة الرائعة والاسترخاء المترف. لم أصحُ إلا ويدُ المضيفة تربّت بلطف.. تدعوني لوضع حزام الأمان فنحن في حالة هبوط. شعرت بصداع خفيف وبشدٍ عصبي لكن البرّ أمان. نعم. اشتقت أن أدوس الأرض وأستمتع بنعمة الوقوف عليها. على أرض ثابتة. حقًا يا فؤاد. هناك نَعمٌ لا ندرك معناها إلا بفقدها، ويا هول عددها.

استلمت حقائبي. ركبتُ سيّارة أجرة وأسلمتُ العنوان لسائق التكسي ففوجئت أنه لا يعرف القراءة بلغتنا وأن له لغة خاصة مدموجة بين العربيّة المكسّرة والإنكليزيّة المبعثرة والهنديّة الممثلة بإيماءات وحركات ضحكت في سري، وتحادثنا طويلًا بالحركات ولكنه أوصلني إلى غايتي أخيرًا وهذا هو المهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت