فهرس الكتاب

الصفحة 940 من 1574

كانت عينيّ تحدقان بفؤاد كمن لا يصدّقُ ما يسمع. ارتدى فؤاد كلّ اتزانه وكل صرامته. جلس بهدوء قاتل كعادته وطلب مني الجلوس وبعد أن أخذ نفسًا عميقًا قال:

ـ هل أنت مستعدّة لسماع الحقيقة؟!

جلست متحفزّة أسمع بكل مساماتي طبعًا هات ما عندك.

ـ سأبدأ من النهاية.

ـ ابدأ من حيث شئت المهم هو الحقيقة.

ـ أولًا يا رولى: أنا لستُ متزوجًا وليس لدي أولاد، ولا يسمح لمثلي أن يتزوج، لأن حياتنا على كف عفريت. وإن سمحوا لنا فكيف أقبل أن أنجب طفلًا وأتركه لكل هذا الرعب الذي كنت أحيا فيه؟!

أنا الوحيد الذي نجا من عائلتي يا رولى. ماتت أمي في تلك الغارة على جنوب لبنان. ماتت مع أربعة أخوة لي. كلهم أعضاء مفصولة عن أجسادهم، لن أنسى جدران البيت والدماء تغسلها. لن أنسى أبدًا.

ـ ثانيًا: والدك كان مبعوثنا السريّ إلى مختلف دول العالم وبأسماء مختلفة وجوازات مختلفة أيضًا.

ـ ثالثًا: أنا أعرف ميس منذ كنت أتدرب معها على رياضة الكراتيه في ذاك المعهد. يومها عشقتها بصمت لكنّها كانت من درّبت قلبي على فنون الحياة والتعلّق بها حدّ الجنون.

رابعًا: من يخسر كل ما يملك يا رولى دفعة واحدة، أهله ـ بيته ـ عرضه ـ ماله. ويُرمى به على قارعة التشرد يمكن أن يفعل أي شيء لأنه في تلك اللحظة يملك حقدًا وعقلًا يعادل قوى الشر جميعها. لأنه صاحب حق.

بدأت الحكاية بانضمامي إلى تلك المنظّمة التي تدافع عن حقوقنا في الحياة، وتدافع عن أرضنا ضد الغزاة. تسلّمت بعد وفاة قائدها مهمة المراسلات اللاسلكية مع عملائنا في الخارج. وعندما استقرت أحوال البلاد سمحنا لوالدك بالمجيء إلى بيروت تحت اسم (تاجر بنّ) وهو في الأصل لا يعرف من البن سوى مذاقه. وكذلك فهد سُمح له بالعودة إلى بلاده لكنّه فضّل العمل هنا في الإمارات لأنها أقرب إلى مزاجه. وعندما تزوج فهد من ميس كانت كارثة عليّ. وكانت أيضًا حالة استثنائية وكأنها مكافأة من والدك على عمله الدؤوب لحمايته هناك، خاصة بعد استقرار الأوضاع قليلًا، ولأنني لا أريد حرمان ميس من ممارسة حياتها الطبيعية. لكنّنا بوفاة والدك عرفنا أننا مراقبون وأن الثأر طال أحد عملائنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت