فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 1574

ـ لا أعتقد. لأنَّ الإنكليز سيحبطونها بقسوة، لأنها تعني طردهم من العراق، وهذا الأمر لا يريدونه على الإطلاق.

ـ هل ستلتحق مع الشباب المتطوع؟

ـ سأرافقك غدًا إلى النادي الثقافي، ونسجّل معًا دون تردد.

مدينة دير الزور تغلي غضبًا وهياجًا، والريف يمور... الثورة بركان، والإيمان طوفان... المآذن تصدح، والنواقيس تقرع... والكل يناجي الإله أن ينصر الحق ويقتص من الظالم.

قال أبو ياسين لعلي بك:

ـ سمعت من أم المناضلات مقولة ذُهلت لها.

ـ ما هي؟

ـ"ومثلما تهتز أوراق غرسة الشّوح بفعل تيارات الريح العنيفة وتسقط، وتخضع، كذلك أراد الشر قطع فروع شجرة حياتي المنتصبة عاليًا".

ـ كلام جميل، ومعناه عميق... إنها يا أخي تتذكر مأساة قومها.

ـ لكنها كانت تردّد هذا القول وهي تمسك بساقها وتبكي.

ـ الشر واحدٌ يا أبا ياسين، لكن لبوسه يتجدد في كل حين والآن هيا بنا، فالقائد فوزي في بيتي. في ضيافة ولدي راغب. لنذهب إليه على جناح السرعة.

ـ ألا نودّع المتطوعين إلى العراق؟

ـ أوكلت المهمة إلى الشيخ محمد سعيد، والأستاذ جلال والأستاذ ثابت.

ـ ألا نأخذ المختار معنا؟

ـ لقد سبقنا... هيا.

ما إن وصل علي بك إلى أول حارته حتَّى سمع أصوات الزغاريد تنطلق من بيته فأسرع يحث الخطى إليه ليجد ابنته شفيقة تقف على سطح البيت مطلقة تلك الزغاريد بأعلى صوتها، وعلى باب البيت كان ثمَّة هرج ومرج. نزلت شفيقة من السطح مسرعة وتلقّت والدها على الباب وقالت قبل أن يسأل:

ـ لقد أمرني أخي راغب أن أزغرد من على سطح البيت فرحًا بقدوم القائد فوزي وتحديًا للفرنسيين.

ـ بوركت يا بنتي، وبورك راغب فيما أمر. ولكننا نخشى على ضيفنا من الفرنسيين ومكرهم.

ـ لا تخش شيئًا يا والدي، فراغب عاقل ويعي ما يفعل.

كان لقاءً حارًا مع القائد فوزي الذي عرفت فرنسا صولاته وجولاته، وكانت تبحث عنه، تريده حيًّا أو ميتًا، مقابل جوائز سخية. تأمَّله علي بك طويلًا فابتسم قائلًا:

ـ أمَّا خشيتَ على نفسك؟

ـ لو كنتُ أخشى على نفسي ما قاتلت فرنسا يا أخي.

ـ لكنني أراك مهمومًا؟!

ـ أحببتُ أن أسلّم عليك قبل أن أتوجّه إلى العشارة والمصلخة.

ـ ألا تمكث معنا في المدينة؟

ـ لا... إخواني هناك بحاجة ماسّة إلي... وعدتهم بالمجيء، وعندما أنتهي من هناك، سآتي إليك، وسأقابل الملثّمين الذين ضربوا أروع الأمثلة في البطولة والفداء.

ابتسم علي بك، فاستغرب فوزي، وقال:

ـ هل أخطأت في أمر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت