الصفحة 50 من 74

المسؤولية، فأرسل له عمر:"فإني أكتب إليك آمرك أن ترد على المسلمين مظالمهم فتراجعني ولا تعرف بعد المسافة ما بيني وبينك .. فانظر أن ترد على المسلمين مظالمهم ولا تراجعني" [1] ، أراد الخليفة العادل أن يكون رد المظالم لامركزية فيه للتيسير على الناس وتسريع رد المظالم، وأن يتحمل كل وال مسئوليته كاملة في ذلك، وكان يحاسب الولاة على إلجاء الناس للسفر للخليفة لرد مظالمهم، كما يحاسب الواقفين على بابه دون مظلمة لكي لا ينشغل الخليفة والعاملون معه بما ليس فيه نفع للعامة، فقد كان فيما سبق كثرة الواقفين على بابه من مختلف الأمصار يسألون رد مظالمهم لهم، فخطبهم يومًا فقال:"يا أيها الناس الحقوا ببلادكم فإني أنساكم عندي وأذكركم ببلادكم .. ألا فمن ظلمه إمامه مظلمة؛ فلا إذن له عليَّ - أي يدخل على الخليفة دون استئذان -، ومن لا فلا أرينَّه" [2] ، ويأتي هذا التدبير بعد أن أعلن براءته من ظلم الولاة وإعلان سياسته في استقبال كل مظلمة دون حاجب، كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الموسم:"أما بعد فإني أشهد الله وأبرأ إليه في الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم الحج الأكبر أني بريء من ظلم من ظلمكم، وعدوان من اعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيته أو تعمدته، إلا أن يكون وهمًا مني، أو أمرًا خفي علي لم أتعمده، وأرجو أن يكون ذلك موضوعًا عني مغفورًا لي إذا علم مني الحرص والاجتهاد. ألا وإنه لا إذن على مظلوم دوني، وأنا معول كل مظلوم، ألا وأي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم، وقد صيرت أمره إليكم حتى يراجع الحق وهو ذميم"، كما احتاط لرعاية مصالح الفقراء بمنع استئثار الأغنياء بما تقدمة الدولة من خدمات اقتصادية ومالية لمواطنيها فقال:"ألا وإنه لا دولة بين أغنيائكم ولا أثرة على فقرائكم في شيء من فيئكم". ولم يكتف بذلك بل حرص على تحمل الدولة عن المواطن تكاليف السفر بالإضافة إلى تخصيص مكافئة لكل من تكلف وسعى في سبيل إحياء الحقوق ورفع المظالم، فقال:"ألا وأيما وارِدٍ وَرَدَ في أمر يصلح الله به خاصًا أو عامًا من هذا الدين فله بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار على قدر ما نوى من الحسنة وتجشم من المشقة0رحم الله امرأ لم يتعاظم سفرًا يحيي الله به حقًا لمن وراءه" [3] ، هذا بالإضافة إلى أمره عماله ببناء استراحات على طرق السفر فمن مر بهم من الرعية فلهم ضيافة يوم وليلة دون مقابل مع تعهد دوابهم، ومن كان به علة فضيافة يوميين وليلتين، ومن كان منقطعًا فيقوَّى بما يصل به إلى بلده [4] 0

و كان يأمر عمَّاله بإصلاح الناس بالسنَّة وعدم تجاوزها إلى غيرها؛ جاء في رده على عامله في الموصل يستأذنه بضرب الناس على التهمة وقد كثرت فيها السرقات،، قال عمر:"خذ الناس بالبينة وما"

(1) الطبقات، (ج:5،ص:381) .، و ابن الجوزي، (ص:97) ، البورنو، محمد صدقي، قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبدالعزيز، (ص:241) .

(2) ابن عبدالحكم، (مرجع سابق، ص:36) .، و ابن الجوزي، (ص:210) ، ونظر، البورنو، محمد صدقي، قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبدالعزيز، (مرجع سابق، ص:242) .

(3) الأصفهاني، أبو نعيم أحمد بن عبدالله، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،،دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1409ه، بيروت، (ج:5،ص:292 - 293) .

(4) تاريخ الطبري، (ج:7،ص:472)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت