المبحث السادس عشر
نور الجنة
قال القرطبي:"قوله تعالى: { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } أي لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا؛ أي في قدر هذين الوقتين؛ إذ لا بكرة ثَمَّ ولا عشيًا؛ كقوله تعالى: { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } [ سبأ: 12 ] أي قدر شهر؛ قال معناه ابن عباس وابن جريج وغيرهما . وقيل: عرّفهم اعتدال أحوال أهل الجنة؛ وكان أهنأ النعمة عند العرب التمكين من المطعم والمشرب بكرة وعشيا . قال يحيى بن أبي كثير وقتادة: كانت العرب في زمانها من وجد غداء وعشاء معًا فذلك هو الناعم؛ فنزلت . وقيل: أي رزقهم فيها غير منقطع ، كما قال:"لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ"وهو كما تقول: أنا أصبح وأمسي في ذكرك . أي ذكري لك دائم . ويحتمل أن تكون البكرة قبل تشاغلهم بلذاتهم ، والعشي بعد فراغهم من لذاتهم؛ لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال . وهذا يرجع إلى القول الأوّل . وروى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن أبي أويس قال: قال مالك بن أنس: طعام المؤمنين في اليوم مرتان ، وتلا قول الله عز وجل: { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } ثم قال: وعوّض الله عز وجل المؤمنين في الصيام السحور بدلًا من الغداء ليقووا به على عبادة ربهم . وقيل: إنما ذكر ذلك لأن صفة الغداء وهيئته غير صفة العشاء وهيئته؛ وهذا لا يعرفه إلا الملوك . وكذلك يكون في الجنة رزق الغداء غير رزق العشاء تتلون عليهم النعم ليزدادوا تنعمًا وغبطة . وخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث أبان [1] عن الحسن وأبي قِلابة قالا:"قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: «وما هيّجك على هذا» قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } فقلت: الليل بين البكرة والعشي .
(1) - أبان ضعيف