فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدأوا رسالات عظيمة ، ولكنهم ماتوا دون إتمامها ، كالمسيح في المسيحية (1) أو شاركهم فيها غيرهم ، أو سبقهم إليهم سواهم ، كموسى في اليهودية ، ولكن محمدًا هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية ، وتحددت أحكامها ، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته ، ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة ، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضًا ، وحّد القبائل في شعب ، والشعوب في أمة ، ووضع لها كل أسس حياتها ، ورسم أمور دنياها ، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم ، أيضًا في حياته ،، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية ، وأتمها .
قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ، وأصح القولين أنه على عمومه ، وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته:
1-…أما اتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة .
2-…وأما أعداؤه المحاربون له ، فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم ، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة ، وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر .
3-…وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته ، وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له .
4-…وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم ، واحترامها ، وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها .
5-…وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته .
(1) كلمة (المسيحية) جرى استعمالها حتى بين المسلمين ، وهي من الأخطاء الشائعة ، لأن (المسيحية) نسبة للمسيح عليه السلام ، والمسيح برئ منهم لأنهم يعتقدون صلْبه وأنه ابن الله ، والأصح أن نقول عنهم (نصارى) كما سمّاهم القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم .