ولا يخفَى عليكَ ما فيه، فإنَّهُ كلُّهُ تطويلٌ بلا طائلٍ؛ لأنَّ الغرضَ أنَّ تلاوةَ القرآنِ من حيث هي تلاوةٌ منهيةٌ عنها على زعمِ الحَنَفِيَّةِ، لم يرخِّصْ فيها الشارع بخلافِ الفتحِ من حيثُ هو فتحٌ، فإنَّهُ مُرخَّصٌ فيه فنيَّتُهُ أولى، وما قال مِن أنَّ الفتحَ كلامٌ معنى، وإنَّما عُفِي عنه للضرورةِ …الخ.
ففيه أَنَّهُ هب ما ذكرتَ صحيحٌ، لكنَّه لَمَّا عُفِي عنه ورخِّصَ فيه للضرورةِ،لم يبقَ حكمُهُ حُكْمَ الكلامِ، والكلامُ بعد ثبوتِ الرُّخْصَةِ لا قبلها، فبعدَ ثبوتِ الرُّخْصَةِ الفتحُ والتّلاوةُ سيان في عدَمِ كونِهما مفسدينِ للصلاةِ، ثُمَّ الفتحُ من حيثُ هو فتحٌ مُرخَّصٌ فيه بخلافِ التَّلاوةِ من حيثُ هي تلاوةٌ، فكانت نيَّتُهُ أولى.
وما قال أن التَّلاوة عند الحاجةِ إِلَى الفتحِ ليست بمنهيةٍ …الخ.
ففيه أَنَّهُ إن أرادَ أن التَّلاوةَ من حيثُ هي تلاوةٌ عند الحاجةِ ليستْ بمنهيةٍ، فهو أوَّلُ النِّزاعِ وإثباتُهُ عسيرٌ جدًا.
وإن أرادَ به مطلقَ التَّلاوةِ ولو في ضمنِ غيرها ليستْ منهيةً، فهو صَحيحٌ، وهو بعينِهِ مذهبُ الجمهورِ ولا تَلزَمُ منه مساواةُ التَّلاوةِ والفتحِ؛ فإن الفتح من حيثُ هو فتحٌ جُوِّزَ للضرورةِ كما تنطقُ به الأحاديثُ، وليس كذلك حال التّلاوة من حيث هي تلاوةٌ، وبهذا تَظْهَرُ سخافةُ قولِهِ من ضرورةِ الرُّخْصَةِ بالفتحِ الرُّخْصَةُ بالتلاوةِ … الخ، فافهم فإنَّهُ دقيقٌ وقبولُهُ يليقُ.
روى ابنُ حِبَّان وأبو داود عن أَبِي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُ قال: قال رَسُول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم: (( إِذا صليتم خلفَ أئمتِكم فأحسنوا طهوركم فإنما يرتجُ على القارىء قراءته بسوءِ طهرِ المصلِّي خلفَهُ ) ).