وقَحطان هو مجتمع قبائل اليمن بأسرها. وتيم اللات مجتمع تَنوخَ بأسرها. وإنما سُمُّوا تنوخ لأنّهم تَنَخوا بالشام، وقيل بالحِيرة، أي أقاموا. والتُّنُوخ [1] هو المُقام في الموضع.يقال تنخ في الأمر أي رسخ فيه، فهو تانخ. وكانوا أقاموا على مالك بن زُهير بن عمرو بن قهم بن تيم اللات، ونزلوا معه الحِيرة، فاختطُّوها، وبنوا فيها الأبنية وعَمَروها، وهم أوّل من عَمَر الحِيرة ونزلها. وكان لهم قوّة وبأس، وغَناء وكثرة، فزاهم سابور الأكبر ملك فارس، في جيوش عظيمة، فقاتلوا قتالًا شديدًا. ولم تزل الحربُ بينهم أيّاما، فلحقت بسابور جيوشُه وأُمراؤه، فضعفت تَنوخ عن مقاومته وانكشفت، فسار معظمهم ومن فيه نهوضٌ منهم إلى الضَّيزن بن معاوية التَّنُوخيّ، إلى الحَضْر [2] ، فأقاموا به، وملكوا ما جاورهم من البلاد، وأَجْلَوا سائر الأمم عنها، إلّا من أدّى إليهم الجِزية. فاستدّت شوكة تَنوخ، وعظُم بأسهم، فملَّكوا عليهم الساطع، وهو النعمان بن عدى -وإنما سمي الساطع لجماله وبهائه، وكان طويلًا وسيمًا جسيمًا، جوادًا شجاعًا- فمَلَك عليهم بُرْهة، وكانت له حروبٌ ووقائع مع ملوك الفرس، وشنّ الغارات على السواد، فسمِّيت تنوخ يومئذ الدواسِر، لمَا ظهر من شدتهم وبأسهم.
وبعض الجهّال يقول: إنّ معرّة النعمان تنسب إليه. وليس بصحيح، بل تنسب إلى النُّعمان بن بَشِير الأنصاريّ، وكان واليا على حِمص وقِنَّسرين، في ولاية معاوية وابنه يزيد؛ ومات للنعمان به ولد، وجَدّد عِمارتها، فنُسبت إليه، وكانت تسمَّى أوّلًا "ذات القصور". وقيل إنّ سياث كانت المدينة وهي آهلة، فخَرج ابنٌ للنعمان بن بشير يتصيّد، وكان موضع المعرة أجمة، فافترسه السبع، فجزع عليه، وبنى له موضعًا عند قبره، فبنى الناس لبنائه، فنُسبت معرّة النعمان إليه لذلك.
(1) ... في الأصل «التنخ» والصواب ما أثتبنا.
(2) ... الحضر، بالفتح: مدينة بإزاء تكريت في البرية، بينها وبين الموصل والفرات.