وكان هو ووالده خادمَين للشيخ أبي العلاء، الذي اشتهر فضله بين الأملاء [1] ، يكتبان ما يُلقيه إليهما، ويعوِّل في نسخ ما يؤلِّف من العلم عليهما، فغَبَرا معه مدّةً تُحْسَبُ من أهنأ الأعمار، يجنيان منه أعذب الثِّمار، ويقطعَان الوقت من العيش بغُفَّة [2] ، ويُلِمَّان بأهل الورع والعِفّة. فلما نُقِل إلى دار الرَّحمة قلَّ الطالب، وزهِد في العلم الراغب؛ وكسدت سُوقُه، وأظلمت بعد الإشراق بروقُه، ووَهَتْ بعد الإحكام عقودُه، ومال عما يُعهَد عَمودُه. وذكر الرسالة إلى آخرها [3] .
ومن كُتَّابه جماعةٌ من بني [أبي] هاشم لا أتحقَّق أسماءهم؛ فإنّني وقفتُ على رسالةٍ لأبي العلاء، تعرف بـ"رسالة الضَّبعين"، كتبها إلى معزّ الدولة ثِمال بن صالح، يشكو إليه رجلين، أحدهما الشريف بن المحبرة الحلبيّ، كانا يؤلِّبان عليه، وينسُبانه إلى الكفر والإلحاد، وقد حرّفا بيتًا من لزوم ما لا يلزم عن موضعه، ليثبتا عليه الكفر بذلك. قال فيها:"وفي حلب -حماها الله- نُسخٌ من هذا الكتاب بخطوطِ قوم ثقات، يعرفون ببني أبي هاشم، أحرار نَسَكة، أيديهم بحبل الورع متمسكة، جرت عادتهم أن ينسخوا ما أُمليه، وإن أُحضِرَتْ ظهرت الحُجّة بما قلتُ فيه".
ومن كُتّابه إبراهيم بن عليّ بن إبراهيم الخطيب، وهو كاتب حسن صحيح الخطّ، مُتقِن في الضَّبط، كتب معظم كتبه وتصانيفه بخطِّه، وكتَب عنه في السماع عليه والإجازة منه، وقرأ عليه.
فصل
في ذكر تصانيفه، ومجموعاته وتآليفه، وأشعاره المدوّنة، ورسائله المفنَّنة
(1) ... الأملاء، جمع ملأ، وهم الجماعة، وأشراف القوم وعليتهم.
(2) ... الغفة، بالضم: البلغة من العيش.
(3) ... كذا وردت هذه الجملة في هذا الموضع.