فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 104

وأخبرني عنه بمثل هذه الحكاية والدي رحمه الله تعالى، فيما يأثره [1] عن الشُّيوخ الحلبيين، قال: كان لأبي العلاء جارٌ أعجميّ بمعرّة النعمان، فغاب في بعض حوائجِه عن معرّة النعمان. فحضر رجلٌ غريبٌ أعجميٌّ قد قدِم من بلاد العجم يطلبه، فوَجَده غائبًا، وهو مجتازٌ لم يمكنْه المقام، وذلك القادمُ لا يعرفُ اللِّسانَ العربيّ. فأشار إليه أبو العلاء أنْ يذكُرَ حاجتَه إليه. فجعل يتكلَّم بالفارسية، وأبو العلاء يُصغي إليه، إلى أن فرغ من كلامه، وهو لا يَفْهم ما يقول. ومضى الرَّجُل، وقدِم جارُ أبي العلاء العجميُّ الغائب، وحضر عند أبي العلاء. فذكر له حالَ الرجل، وطلَبَهُ له، وجعل يُعيد عليه بالفارسيّة ما قال، والرجل يَبكي ويستغيث ويلطِم على رأسه، إلى أن فرَغ أبو العلاء. وسُئل عن حاله، فأخبرهم أنّه أُخبر بموتِ أبيه وإخوته وجماعةٍ من أهله. أو كما قال.

قال لي والدي: وبلَغني من ذكاء أبي العلاء وحُسن حفظه، أنّ جارًا له سَمّانًا كان بينه وبين رجلٍ من أهل المعرّة معاملة. فجاءه ذلك الرّجلُ، فدفع إليه السّمّان رِقاعًا كتبها إليه، يستدعي فيها حوائجَ له، وكان أبو العلاء في غُرفةٍ مشرفةٍ عليهما يسمع محاسبة السَّمان له، وأعاد الرجل الرّقاع إلى السّمّان. ومضى على ذلك أيّامٌ، فسمِع أبو العلاء ذلك السّمّانَ وهو يتأوّه ويتململ. فسأله على [2]

(1) ... يأثره: يرويه ويحكيه. وفي الأصل: «يؤثره» .

(2) ... ترد «على» للمجاوزة، مثل «عن» كقول القائل:

... إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها

... وقوله

... في ليلة لا نرى بها أحدًا ... يحكي علينا إلا كواكبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت